فمن ذلك أنه نقل الكثير عن أحد أهم الحواشي على "الكشاف"، وهو كتاب: "الكشف على الكشاف" لسراج الدين عمر بن عبد الرحمن القزويني، لكنه لم يصرِّح به في أيِّ موضع من مواضع نقله، علمًا أنه قد صرَّح بالنقل عنه في "أربعينياته" وبعضِ رسائله كرسالته في وضع كاد، ورسالةِ السينات، ورسالةِ نسبةِ الجمع، وغيرها، لكنه هنا لم يصرح بذلك أبدا اتِّباعًا لمنهجه في هذا التفسير من الاقتصار على ذكر الأقوال دون عزوٍ - في الغالب - سواءٌ لهذا الكتاب أو لغيره.
ولرُبَّ سائل يسأل: إذا كان المؤلف لم ينسب الكلام، والمصدرُ غير موجود، فكيف عُرف أن النقل من هذا المصدر؟
فالجواب: أن هذا كان اعتمادًا على "روح المعاني" حيث إن الآلوسي ﵀ قد أكثر كالمؤلف من النقل عن المصدر المذكور، لكنه كان في الغالب يعيِّنه باسمه، وكثيرًا ما يتطابق نقله مع نقل المؤلف، ويكون النصُّ منقولًا بالحرف عندهما، فبذلك استدللنا على نقل المؤلف عن ذلك المصدر، فمِن ذلك ما نقلَه عنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، وقوله: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا
[ المقدمة / ٣١ ]
لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]، وغيرها كثير، وقد بيَّنَّا النقل عند هذه الآيات وغيرها كلٌّ في مكانه، وهذا كله مما هو مشترَك بينه وبين الآلوسي، وهو - مع الأخذِ بعين الاعتبار ما قدَّمناه من منهجه في عدم نسبة الكلام لقائله - يدلُّ على نقله في غير هذه المواضع عن هذا المصدر، كما يدل على نقله عن غيره، والله أعلم.
فهذا ما ألهمَنا الله إياه وعرَّفَنا من ميزات هذا الكتاب، وليس هذا كلُّ ما حفل به هذا السفر الكريم، بل هناك الكثير الذي لا يظهر إلا بخوض غماره، والتأمل في معانيه وإبداعاته.
ولننتقل إلى بحث لا يقل أهمية عنه، بل هو من أهم أبحاث هذه المقدمة، وهو بيان منهج المؤلف في هذا التفسير، والأسسِ التي بني عليها.
[ المقدمة / ٣٢ ]