الأم: باب (ألا تقضى الصلاة حائض):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) الآية، فلما لم يرخص رسول اللَّه - ﷺ - في أن تؤخر الصلاة في الخوف، وأرخص أن يصليها المصلي كما أمكنه،
[ ١ / ٤٠٧ ]
راجلًا، أو راكبًا، وقال: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) .
قال الشَّافِعِي ﵀: وكان من عقل الصلاة من البالغين عاصيًا بتركها.
إذا جاء وقتها وذكرها، وكان غير ناسٍ لها، وكانت الحائض بالغة عاقلة ذاكرة للصلاة مطيقة لها، فكان حكم اللَّه - ﷿ -: لا يقربها زوجها حائضًا، ودل حكم رسول الله - ﷺ - على أنَّه إذا حَرُم على زوجها أن يقربها للحيض، حَرُم عليها أن
تصلي، كان في هذا دلائل على أن: فرض الصلاة في أيام الحيض زائل عنها، فإذا زال عنها وهي ذاكرة عافلة مطيقة، لم يكن عليها قضاء الصلاة، وكيف تقضي ما ليس بفرض عليها، بزوال فرضه عنها، وهذا مما لا أعلم فيه مخالفًا.
الأم (أيضًا): باب (صلاة المريض):
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه - ﷿ -: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) الآية.
فقيل - واللَّه وأعلم -: قانتين: مطيعين.
وأمر رسول الله - ﷺ - بالصلاة قائمًا.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا خوطب بالفرائض من أطاقها، فإذا كان المرء
مطيقًا للقيام في الصلاة لم يجزه إلا هو، إلا عندما ذكرت من الخوف، وإذا لم يطق القيام: صلى قاعدًا، وركع وسجد إذا أطاق الركوع والسجود - وإلا أومأ بالركوع والسجود إيماء -.
مختصر المزني: باب (الإسفار والتغليس با لفجر):
حدثنا الربيع قال:
[ ١ / ٤٠٨ ]
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان، عن - محمد بن عجلان، عن عاصم بن
عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، أن رسول الله - ﷺ - قال:
أسفروا بالصبح فإن ذلك أعظم لأجوركم" أو قال: "للأجر" الحديث.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان عن الزهري، عن عروة، عن عائشة
﵂ قالت: "كن نساء من المؤمنات يصلين مع النبي - ﷺ - وهن متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى أهلهن ما يعرفهن أحد من الغلس" الحديث.
قال: وروى زيد بن ثابت عن النبي - ﷺ - ما يوافق هذا، وروى مثله أنس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدي عن النبي - ﷺ -.
قال الشَّافِعِي ﵀: فقلنا إذا انقطع الشك في الفجر الآخر وبان
معترضًا، فالتغليس بالصبح أحبُّ إلينا.
وقال بعض الناس: الإسفار بالفجر أحبُّ إلينا.
قال: وروي حديثان مختلفان عن رسول الله - ﷺ -، فأخذنا بأحدهما، وذكر حديث رافع بن خديج وقال: أخذنا به؛ لأنَّه كان أرفق بالناس، قال: وقال لي أرأيت إن كانا مختلفين فلِمَ صرت إلى التغليس؟
قلت: لأنّ التغليس أولاهما بمعنى كتاب اللَّه، وأثبتهما عند أهل الحديث، وأشبههما لمجمل سنن النبي - ﷺ -.
وأعرفهما عند أهل العلم قال: فاذكر ذلك، قلت: قال اللَّه تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) الآية، فذهبنا إلى أنها الصبح، وكان أقل ما في
[ ١ / ٤٠٩ ]
الصبح إن لم نكن هي أن تكون مما أمرنا بالمحافظة عليه، فلما دلَّت السنة، ولم
يختلف أحد أن الفجر إذا بأن معترضًا فقد جاز أن يصلي الصبح، علمنا أن
مؤدي الصلاة في أول وقتها أولى بالمحافظة عليها من مؤخًرها، وقال رسول اللَّه - ﷺ -: "أول الوقت رضوان الله"
وسئل رسول الله - ﷺ - أي الأعمال أفضل؟
فقال: "الصلاة في أول وقتها"، ورسول الله - ﷺ - لا يؤثر على رضوان الله، ولا على أفضل الأعمال شيئًا.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولم يختلف أهل العلم في امرئ أراد التقرب إلى الله
بشىء، يتعجله مبادرة ما لا يخلو منه الآدميون - من النسيان والشغل - ومقدم الصلاة أشد فيها تمكنًا من مؤخرها، وكانت الصلاة المقدمة من أعلى أعمال بني آدم، وأمرنا بالتغليس بها لما وصفناه.
قال: فأين أنَّ حديثك الذي ذهبت إليه أثبتهما؟
قلت: حديث عائشة، وزيد بن ثابت، وثالث معهما - ﵃ -
عن النبي - ﷺ - بالتغليس أثبت من حديث رافع بن خديج وحده في أمره بالإسفار.
فإن رسول الله - ﷺ - لا يأمر بأن يُصلى صلاة في وقت ويصليها في غيره.
قال الشَّافِعِي ﵀: وأثبت الحجج وأولاها ما ذكرنا من أمر الله
بالمحافظة على الصلوات. ..
الرسالة: وجه أخر مما يعد مختلفًا وليس عندنا بمختلف:
قال الشَّافِعِي ﵀: وإن تقدم صلاة الفجر في أول وقتها عن أبي بكر.
وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك وغيرهم - رضوان اللَّه عليهم - مثبت.
[ ١ / ٤١٠ ]
فقال - أي: المحاور - فإن أبا بكر، وعمر، وعثمان، دخلوا في الصلاة
مُغلسين، وخرجوا منها مسفرين، بإطالة القراءة؟
فقلت له: قد أطالوا القراءة وأوجزوها، والوقت في الدخول لا في الخروج
من الصلاة، وكلّهم دخل مُغلِّسًا، وخرج رسول الله - ﷺ - مُغلِّسًا.
فخالفت الذي هو أولى بك أن تصير إليه، مما ثبت عن رسول الله - ﷺ -.
وخالفتهم، فقلت: يدخل الداخل فيها مسفرًا، ويخرج مسفرًا، ويوجز القراءة، فخالفتهم في الدخول وما احتججت به من طول القراءة، وفي الأحاديث عن بعضهم أنَّه خرج منها مُغلسًا، قال - الشَّافِعِي -: فقال (أي: المحاور): أفتعد خبر رافع يخالف خبر عائشة؟ فقلت له: لا.
فقال: فبأي وجه يوافقه؟
فقلت: إن رسول الله - ﷺ - لما حض الناس على تقديم الصلاة، وأخبر بالفضل فيها.
احتمل أن يكون من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر، فقال:
أسفروا بالفجر" يعني: حتى يتبين الفجر الآخر معترضًا.
قال: أفيحتمل معنى غير ذلك؟.
قلت: نعم، يحتمل ما قلت، وما بين ما قلنا وقلتَ، وكل معنى يقع عليه
اسم الإسفار.
قال: فما جعل مَغناكم أولى من معنانا؟.
فقلتُ: بما وصفت من التأويل، وبأنّ النبي - ﷺ - قال: "هما فجران، فأما الذي كأنه ذنب السرحان فلا يحل شيئًا ولا يحرمه، وأما الفجر المعترض فيحل الصلاة وُيحرّم الطعام" الحديث، يعني: على من أراد الصيام.
[ ١ / ٤١١ ]
السنن المأثورة: باب ما جاء في (الجمع بين الصلاتين في المطر:
قال: حدثنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا مالك بن أنس، عن زيد بن
أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين لأنَّه قال: أمرتني عائشة أم المؤمنين أن أكتب لها مصحفًا قالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) الآية.
قال: فلما بلغتها آذنتها؛ فأملت علي: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله فأنتين) الآية، قالت عائشة ﵂: سمعتها من رسول اللَّه - ﷺ - الحديث.
أحكام القرآن: فصل فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني
والطهارات والصلوات:
قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله تعالى: (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) الآية، فذهبنا
إلى أنها الصبح، وكان أقل ما في الصبح، إن لم تكن هي: أن تكَون مما أمرنا
بالمحافظة عليه.
وذكر - في رواية المزني، وحرملة رحمهما اللَّه - حديث أبي بونس مولى
عائشة ﵂ أنها أملت عليه: (حافظوا على الصلوات والصلاة
الوسطى، وصلاة العصر) ثم قالت: سمعتها من رسول الله - ﷺ - ".
قال الشَّافِعِي ﵀: فحديث عائشة ﵂ يدلُّ على أن الصلاة
الوسطى، ليست صلاة العصر.
[ ١ / ٤١٢ ]
واختلف أصحاب رسول الله - ﷺ - فرُوي عن علي، وروي عن ابن عباس ﵃: أنَّها الصبح وإلى هذا نذهب.
ورُوي عن زيد بن ثابت الأنصاري "الظهر" وعن غيره: "العصر"
ورُوي فيه حديثًا عن النبي - ﷺ -.
قال البيهقي ﵀: وقرأت في كتاب السنن - رواية حرملة - عن
الشَّافِعِي ﵀، قال الله ﵎: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) الآية.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: من خوطب بالقنوت مطلقًا، ذهب إلى أنَّه:
قيام في الصلاة، وذلك أن القنوت: قيام لمعنى طاعة الله - ﷿، وإذا كان هكذا: فهو موضع كف عن قراءة، وإذا كان هكذا: أشبه أن يكون قيامًا في صلاة - لدعاء لاقراءةِ.
فهذا أظهر معانيه، وعليه دلالة الستة، وهو أولى المعاني أن يقال به عندي
- والله أعلم -.
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد يحتمل القنوت: القيام كلّه في الصلاة، وروي
عن عبد اللَّه بن عمر ﵄: "قيل: أي الصلاة؛ قال: طول القنوت الحديث.
وقال طاووس: القنوت طاعة اللَّه - ﷿ -.
وقال الشَّافِعِي ﵀: وما وصفت من المعنى الأول أولى المعاني به -
واللَّه أعلم -.
قال: فلما كان القنوت بعض القيام دون بعض، لم يجز - والله أعلم - أن
يكون إلا ما دلّت عليه السنة، من القنوت للدعاء، دون القراءة.
قال: واحتمل قول اللَّه - ﷿ -: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) الآية، قانتين في الصلاة كلها، وفي بعضها دون بعض.
[ ١ / ٤١٣ ]
فلما قنت رسول الله - ﷺ - في الصلاة، ثم ترك القنوت في بعضها، وحفظ عنه القنوت في الصبح خاصة، ودل هذا على أنَّه إن كان اللَّه أراد القنوت: القنوت في الصلاة، فإنَّما أراد به خاصًا.
واحتمل أن يكون في الصلوات في النازلة، واحتمل طول القنوت: طول
القيام، واحتمل القنوت: طاعة اللَّه، واحتمل السكات.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا أرخص في ثرك القنوت في الصبح بحال: لأنَّه
إن كان اختيارًا - مندوبًا - من الله ومن رسوله - ﷺ -، لم أرخص في ترك الاختيار، وإن كان فرضًا: كان مما لا يتبين تركه.
ولو تركه تارك كان عليه أن يسجد للسهو، كما يكون ذلك عليه لو ترك الجلوس - الأوسط - في شيء.
قال الشيخ - أي البيهقي ﵀ - في قوله: (احتمل السكات): أراد:
السكوت عن كلام الآدميين، وقد روينا عن زيد بن أرقم: "أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة"، فنزلت هذه الآية، قال:
فنهينا عن الكلام، وأمرنا بالسكوت.
وروينا عن أبي رجاء العطاردي أنَّه قال: صلى بنا ابن عباس صلاة الصبح
- وهو أمير على البصرة - فقنت، ورفع يديه حتى لو أن رجلًا بين يديه لرأى بياض إبطَيه، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: هذه الصلاة التي ذكرها اللَّه - ﷿ - في كتابه: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) الآية.
أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا إسماعيل الصفار، أخبرنا الحسن بن
الفضل بن السمح، حدثنا سهل بن تمام، أخبرنا أبو الأشهب، ومسلم بن زيد، عن أبي رجاء، فذكره، وقال: "قبل الركوع.
[ ١ / ٤١٤ ]