قال الله ﷿: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) .
الأم: باب (ما نسخ من الوصايا):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ) إلى قوله: (الْمُتَّقِينَ) الآية.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وكان فرضًا في كتاب اللَّه تعالى على من ترك
خيرًا - والخير: المال - أن يوصي لوالديه وأقربيه، ثم زعم بعض أهل العلم
بالقرآن أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخة، واختلفوا في الأقربين غير الوارثين، فكثر من لقيت من أهل العلم ممن حفظت عنه قال: الوصايا منسوخة، لأنه إنما أمر بها إذا كانت إنما يورث بها، فلما قسُّم اللَّه - تعالى ذكره - المواريث كانت تطوعًا.
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وهذا إن شاء اللَّه تعالى كله كما قالوا.
فإن قال قائل: ما دلَّ على ما وصفتَ؟
قيل له: قال اللَّه ﵎: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) الآية.
أخبرنا ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن مجاهد أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا وصية لوارث ".
[ ١ / ٢٦٧ ]
وما وصفت من أن الوصية للوارث منسوخة بآي المواريث، وأن لا
وصية لوارث مما لا أعرف فيه عن أحد ممن لقيت خلافًا.
الأم (أيضًا): باب (الوصية للوارث):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه - ﷿ -: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ) إلى قوله: (الْمُتَّقِينَ) الآية، وقال في آي المواريث: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) الآية.
وذكر من ورُّث - جل ثناؤه - في آي من كتابه.
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: واحتمل إجماع أمر اللَّه تعالى بالوصية
للوالدين والأقربين معنيين:
أحدهما: أن يكون للوالدين والأقربين الأمران معًا، فيكون على الموصي
أن يوصي لهم، فيأخذون بالوصية، ويكون لهم الميراث فيأخذون به.
ثانيهما: واحتمل أن يكون الأمر بالوصية نزل ناسخًا لأن تكون الوصية
لهم ثابتة، فوجدنا الدلالة على أن الوصية للوالدين، والأقربين الوارثين منسوخة بآي المواريث، من وجهين:
الأول: أخبار ليست بمتصلة عن النبي - ﷺ - من جهة الحجازيين منها: أن سفيان بن عيينة أخبرنا، عن سليمان الأحول عن مجاهد؛ أن النبي - ﷺ - قال:
" لا وصية لوارث" الحديث.
وغيره يثبته بهذا الوجه، ووجدنا غيره قد يصل فيه
[ ١ / ٢٦٨ ]
حديثًا عن النبي - ﷺ - بمثل هذا المعنى، ثم لم نعلم أهل العلم في البلدان اختلفوا في
أن الوصية للوالدين منسوخة بآي المواريث.
الثاني: واحتمل إذا كانت منسوخة أن تكون الوصية للوالدين ساقطة، حتى
لو أوصى لهما لم تجز الوصية، وبهذا نقول، وما رُوي عن النبي - ﷺ - وما نعلم أهل العلم اختلفوا فيه يدل على هذا، وإن كان يحتمل أن يكون وجوبها منسوخًا، وإذا
أوصى لهم جاز، وإذا أوصى للوالدين فأجاز الورثة فليس بالوصية أخذوا، وإنما أخذوا بإعطاء الورثة لهم ما لهم، لأنا قد أبطلنا حكم الوصية لهم فكان نص المنسوخ في وصية الوالدين، وسُمِّي معهم الأقربين جملة، فلما كان الوالدان وارثين، فسنا عليهم كل وارث، وكذلك الخبر عن النبي - ﷺ -، فلما كان الأقربون
ورثة، وغير ورثة، أبطلنا الوصية للورثة من الأقربين بالنص والقياس والخبر: " لا وصية لوارث " وأجزنا الوصية للأقربين، ولغير الورثة من كان.
فالأصل في الوصايا لمن أوصى في كتاب اللَّه - ﷿ -.
وما روي عن رسول اللَّه - ﷺ -، وما لم أعلم من مضى من أهل العلم اختلفوا فيه، في أن يُنظر إلى الوصايا:
١ - فإذا كانت لمن يرث الميت أبطلتها.
٢ - وإن كانت لمن لا يرثه أجزتها على الوجه الذي تجوز به، وموجود
عندي - واللَّه أعلم - فيما وصفت من الكتاب، وما روي عن النبي - ﷺ -.
وحيث إن ما لم نعلم من مضى من أهل العلم اختلفوا فيه، أنه إنما يمنع الورثة
الوصايا لئلا يأخذوا مال الميت من وجهتين، وذلك أن ما ترك المُتَوَفى يؤخذ
بميراث أو وصية، فلما كان حكمهما مختلفين، لم يجز أن يجمع لواحد الحكمان المختلفان في حكم واحد، وحال واحدة، كما لا يجوز أن يُعطى بالشيء وضد الشيء، ولم يحتمل معنى غيره بحال.
[ ١ / ٢٦٩ ]
الأم (أيضًا): باب (الوصية للوارث) أيضًا
قال الشَّافِعِي - ﵀ - تعالى: ولقد ذكر الله ﵎ الوصية فقال:
(إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية.
وأن الأغلب من الأقربين، لأنهم يبتلون أولاد الموصي بالقرابة ثم الأغلب أن يزيدوا، وأن يبتلوهم بصلة أبيهم لهم بالوصية.
وينبغي لمن منع أحدًا مخافة أن يرد على وارث، أو ينفعه، أن
يمنع ذوي القرابة، وألا يعتق العبيد الذين قد عرفوا بالعطف على الورثة، ولكن لا يمنع أحد وصية غير الوارث بالخبر عن رسول الله - ﷺ -، وما لا يختلف فيه من أحفظ عنه ممن لقيت.
الأم (أيضًا): باب (المدَّعي والمدَّعَى عليه):
قال الشَّافِعِي - ﵀ - تعالى: فإذا كان الناس أجمعوا على خبر الواحد
بتصديق المخبر عنه، ولا يحتجون عليه بمثل ما تحئجون به، ويتبعون فيه أمر
رسول اللَّه - ﷺ - ثم جاء خبر آخر أقوى منه، فكيف جاز لك أن تخالفه؛ وكيف جاز لك أن تثبت ما اختلفوا فيه، مما وصفنا بالخبر عن النبي - ﷺ - مرة، وتعيب علينا أن ثبتنا ما هو أقوى منه؟ وقلت لبعض من يقول هذا القول:
قد قال اللَّه (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) الآية.
فإن قال لك قائل: تجوز الوصية لوارث؛ قال
روي عن النبي - ﷺ -، قلنا: فالحديث لا تجوز الوصية لوارث أثبت أم حديث
اليمين مع الشاهد؛ قال: بل حديث اليمين مع الشاهد، ولكن الناس لا يختلفون في أن الوصية لوارث منسوخة.
قلنا: أليس بخبر؟ قال: بلى. قلت: فإذا كان
[ ١ / ٢٧٠ ]
الناس يجتمعون على قبول الخبر ثم جاء خبر عن النبي - ﷺ - أقوى منه، لم جاز - أي لم يجز - لأحد خلافه، قلنا: أرأيت إن قال لك قائل: لا تجوز الوصية إلا لذي قرابة، فقد قاله طاووس، قال: العتق وصية، قد أجازها النبي - ﷺ - في حديث
عمران للمماليك، ولا قرابة لهم، قلنا: أفتحتج بحديث عمران مرة، وتتركه أخرى؟! وقلت له: نصير بك إلى ما ليس فيه سنة لرسول الله - ﷺ - حتى نوجدك (أي: نجدك) تخرج من جميع ما احتججت به، وتخالف فيه ظاهر الكتاب عندك.
الأم (أيضًا): كتاب (القرعة):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر حديثي عمران بن حصين - ﵁ - وابن المسيب ﵀ ثم ساق حديث نافع عن ابن عمر ﵄، بعد ذلك.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وبهذا كله نأخذ، وحديث القرعة عن عمران
ابن حصين، وابن المسيب، موافق قول ابن عمر ﵁ في العتق، لا
يختلفان في شيء حُكِيَ فيهما، ولا في واحد منهما.
[ ١ / ٢٧١ ]
وهذا يدل على خلاف ما قال بعض أهل العلم: إن قول الله ﵎:
(الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية.
منسوخة بالمواريث، والآخر: إن الوصايا إذا
جُوِّزَ بها الثلث رُدت إلى الثلث، وهذه الحجة في ألا يُجَاوَزَ بالوصايا الثلث.
وذلك أنه لو شاء رجل أن يقول: إنما أشار رسول الله - ﷺ - على سعد، ولم يعلمه
أنه لا يجوز له أن يوصي بكثر من الثلث، وفي هذا حجة لنا على من زعم أن من لم يدع وارثًا يعرف، أوصى بماله كله، فحديث عمران بن حصين يدل على خمسة معانٍ، وحديث نافع يدل على ثلاثة معانِ كلها في حديث عمران.
الأم (أيضًا): المكاتب:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال اللَّه - ﷿ -: (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) الآية، فعقلنا أنه ترك مالًا؛ لأن المال: المتروك.
وبقوله: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) قال: فلما قال اللَّه - ﷿ -: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) الآية.
كان أظهر معانيها بدلالة ما استدللنا به من الكتاب: قوة على اكتساب المال وأمانة؛ لأنه قد يكون قويًا فيكسب، فلا يؤدي
إذا لم يكن ذا أمانة، وأمينًا فلا يكون قويًا على الكسب فلا يؤدى.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولا يجوز عندي - واللَّه تعالى أعلم - في
قوله: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) الآية، إلا هذا.
الرسالة: الناسخ والمنسوخ الذي تدل عليه السنة والإجماع:
قال الله ﵎: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) الآية.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وقال اللَّه: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) .
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فأنزل اللَّه ميراث الوالدين، ومن ورث
بعدهما، ومعهما من الأقربين، وميراث الزوج من زوجته، والزوجة من زوجها.
فكانت الآيتان محتملتين لأن تثبتا الوصية للوالدين والأقربين، والوصية
للزوج، والميراث مع الوصايا، فيأخذون بالمير اث والوصايا، ومحتملة بأن تكون المواريث ناسخة للوصايا.
فلما احتملت الآيتان ما وصفنا، كان على أهل العلم طلب الدلالة من
كتاب الله، فما لم يجدوه نصًا في كتاب الله، طلبوه في سنة رسول الله - ﷺ -، فإن وجدوه فما قبلوا عن رسول الله - ﷺ - فعن الله قبلوه، بما افترض من طاعته.
ووجدنا أهل الفتيا، ومن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي (من قريش وغيرهم) لا يختلفون في أن النبي - ﷺ - قال عام الفتح: " لا وصية لوارث، ولا يقتل مومن بكافر " الحديث.
ويأثِرونه عمن حفظوا عنه ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي.
فكان هذا نقل عامة عن عامة، وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد
عن واحد.
وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وقال الشَّافِعِي ﵀: وروى بعض الشاميين حديثًا ليس مما يثبته أهل
الحديث فيه: إن بعض رجاله مجهولون، فرويناه عن النبي - ﷺ - منقطعًا.
وإنما قبلناه بمن وصفت من نقل أهل المغازي، وإجماع العامة عليه، وإن كنا
قد ذكرنا الحديث فيه، واعتمدنا على حديث أهل المغازي عامًّا، وإجماع الناس.
أخبرنا سفيان - يعني ابن عيينة -، عن سليمان الأحول، عن مجاهد أن
رسول اللَّه - ﷺ - قال: " لا وصية لوارث" الحديث.
فاستدللنا بما وصفتُ، من نقل عامة أهل المغازي عن النبي - ﷺ - أن " لا وصية لوارث" الحديث.
على أن المواريث ناسخة للوصية (للوالدين والزوجة) مع الخبر المنقطع عن النبي - ﷺ -، وإجماع العامة على القول به.
وكذلك قال أكثر العامة: إن الوصية للأقربين منسوخة زائل فرضها، إذا
كانوا وارثين بالميراث، وإن كانوا غير وارثين فليس بفرض أن يُوصي لهم.
إلا أن طاووسًا وقليلًا معه قالوا: نسخت الوصية للوالدين، وثبتت للقرابة
غير الوارثين، فمن أوصى لغير قرابة لم يجز.
فلما احتملت الآية ما ذهب إليه طاووس من أن الوصية للقرابة ثابتة، إذ
لم يكن في خبر أهل العلم بالمغازي إلا أن النبي - ﷺ - قال: " لا وصيهْ لوارث "
وجب عندنا على أهل العلم، طلب الدلالة على خلاف ما قال طاووس أو
موافقته.
فوجدنا رسول الله - ﷺ -، حكم في ستة مملوكين، كانوا لرجل لا مال له غيرهم، فأعتقهم عند الموت، فجزأهم النبي - ﷺ - ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة.
[ ١ / ٢٧٤ ]
أخبرنا بذلك عبد الوهاب (بن عبد المجيد الثقفي)، عن أيوب
(السختياني)، عن أبي فلابة (عبد اللَّه بن زيد الجرمي البصرى)، عن أبي المهلب (الجَرْمي البصري - عم أبي قلابة)، عن عمران بن حصين - ﵁ - عن النبي - ﷺ -.
وقال الشَّافِعِي ﵀: فكانت دلالة السنة في حديث عمران بن حصين بينة، أن رسول الله - ﷺ - أنزل في عتقهم في المرض وصية، والذي أعتقهم رجل من العرب.
والعربي إنما يملك من لا قرابة بينه وبين العجم، فأجاز النبي - ﷺ - لهم الوصية.
فدل ذلك على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتقين.
لأنهم ليسوا بقرابة للمعتق.
ودلُّ ذلك على: أن لا وصية لميت إلا في ثلث ماله، ودل ذلك على أن يُرَدُّ
ما جاوز الثلث في الوصية، وعلى إبطال الاستسعاء، وإثبات القَسمِ والقُرعَة.
وبطلت وصية الوالدين، لأنهما وارثان وثبت ميراثهما، ومن أوصى له
الميت من قرابة وغيرهم، جازت الوصية، إذا لم يكن وارثًا.
وأحَبّ إليَّ لو أوصَى لقرابته.
جماع العلم: باب (حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها):
قال الشَّافِعِي ﵀: وقلت له أيضًا: يلزمك هذا في ناسخ القرآن
ومنسوخه؟
[ ١ / ٢٧٥ ]
قال: فاذكر منه شيئًا. قلت: قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية، وقال في الفرائض:
(وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) الآية.
فزعمنا بالخبر عن رسول الله - ﷺ - أن آية الفرائض نسخت الوصية للوالدين
والأقربين، فلو كنا مما لا يقبل الخبر، فقال قائل: الوصية نسخت الفرائض.
هل نجد الحجة عليه إلا الخبر عن رسول الله - ﷺ -؟!
قال: هذا شبيه بالكتاب والحكمة، والحجة لك ثابتة، بأن علينا قبول الخبر
عن رسول الله - ﷺ -.
وقد صرتُ إلى: قَبول الخبرِ لَزم للمسلمين، لما ذكرتَ وما في
مثل معانيه من كتاب اللَّه.
وليست تدخلني أنفة من إظهار الانتقال عما كنت أرى إلى غيره، إذا بانت
الحجة فيه، بل أتديَّن بأنَّ عليَّ الرجوعَ عما كنت أرى إلى ما رأيتُ الحقُّ.
أحكام القرآن: ما نسخ من الوصايا:
لقد لخص الإمام البيهقي تفسير الشَّافِعِي لهذه الآية بما يلي:
أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه - ﷿ -: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فكان فرضًا في كتاب اللَّه - ﷿ -، على من ترك خيرًا
(والخير: المال) أن يوصي لوالديه وأقربين.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وزعم بعض أهل العلم بالقرآن: أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين
منسوخة، واختلفوا في الأقربين غير الوارثين، فأكثر من لقيت من أهل العلم، وممن حفظت عنه قال: الوصايا منسوخة؛ لأنه إنما أمر بها إذا كانت إنما يُوَرثُ بها، فلما قسم اللَّه المواريث كانت تطوعًا.
وهذا - إن شاء اللَّه - كلّه كما قالوا.
واحتج الشَّافِعِي ﵀ في عدم جواز الوصية للوارث بآية الميراث.
وبما روي عن النبي - ﷺ - من قوله: " لا وصية لوارث".
واحتج في جواز الوصية لغير ذي الرحم، بحديث عمران بن حصين:
"أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له، ليس له مال غيرهم، فجزأهم النبي - ﷺ - ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرَقَّ أربعة" الحديث.
ثم قال الشَّافِعِي: والمعتق: عربي، وإنَّما كانت العرب: تملك من لا قرابة
بينها وبينه، فلو لم تجز الوصية إلا لذي قرابة، لم تجز للمملوكين، وقد أجازها لهم رسول اللَّه - ﷺ -.
أحكام القرآن (أيضًا): ما يؤثر عنه - الشافعى - في القرعة والعتق، والولاء، والكتابة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه - ﷿ -: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) الآية، فعقلنا أنه إن ترك مالًا، لأن المال: المتروك، ولقوله: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية.
فلما قال اللَّه - ﷿: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) الآية.
كان أظهر معانيها بدلالة ما استدللنا به من الكتاب قوة على
[ ١ / ٢٧٧ ]
اكتساب المال، وأمانة، لأنه قد يكون قويًا فيكسب، فلا يؤدي إذا لم يكن ذا أمانة، وأمينًا فلا يكون قويًا على الكسب، فلا يؤدي، ولا يجوز عندي - واللَّه أعلم - في قوله تعالى: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) الآية، إلا هذا.
وليس الظاهر أن القول: إن علمت في عبدك مالًا لمعنيين:
أحدهما: أن المال لا يكون فيه، إنما يكون عنده، لا فيه. ولكن يكون فيه
الاكتساب: الذي يفيده المال.
والثاني: أن المال الذي في يده لسيده فكيف يكاتبه بماله؟! إنما يكاتبه بما
يفيد العبد بعد الكتابة؛ لأنه حينئذ يُمنع ما أفاد العبد لأداء الكتابة.
ولعل من ذهب إلى أن الخير: المال، أراد أنه أفاد بكسبه مالًا للسيد.
فيستدل على أنه يفيد مالًا يعتق به، كما أفاد أولًا.
وقال الشَّافِعِي ﵀: وإذا جمع القوة على الاكتساب والأمانة، فأحب
إليَّ لسيده أن يُكاتبه. ولا يبين لي أن يجبر عليه، لأن الآية محتملة أن يكون
إرشادًا أو إباحةَ لا حتمًا.
وقد ذهب هذا المذهب عدد ممن لقيت من أهل العلم.
وبسط الكلام فيه واحتج في جملة ما ذكر: بأنه لو كان واجبًا؛ لكان محدودًا
بأقل ما يقع عليه اسم الكتابة، أو لغاية معلومة.