الأم: باب (جماع ايجاب القصاص في العمد):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فالقصاص إنما يكون ممن فعل ما فيه
القصاص، لا ممن لم يفعله، فاخكَم اللَّه - عز ذكره - فَرض القصاص في كتابه، وأبانت السنة لمن هو؟ وعلى من هو؟.
أخبرنا الربيع قال:
[ ١ / ٢٥٢ ]
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم أو عن
عيسى بن أبي ليلى، عن أبي ليلى قال: قال رسول الله - ﷺ -: ("من اعتبط مومنًا بقتل فهو قَوَدُ يده، إلا أن يرضى ولي المقتول، فمن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل.
الأم (أيضًا): باب (الحكم في قتل العمد)
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ويقال: من العلم العام الذي لا اختلاف
فيه بين أحد لقيته، فحدثنيه، وبلغني عنه - من علماء العرب - أنها كانت قبل نزول الوحي على رسول الله - ﷺ - تباين في الفضل، ويكون بينها ما يكون بين الجيران، من قتل العمد والخطأ، فكان بعضها يعرف لبعض الفضل في الديات، حتى تكون دية الرجل الشريف أضعاف دية الرجل دونه، فأخذ بذلك بعض من بين أظْهُرهَا - من غيرها - بأقصد مما كانت تأخذ به، فكانت دية النضيري ضعف دية القُرَظي.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وكان الشريف من العرب إذا قتل، يجاوز قاتله إلى من لم يقتله من أشراف
القبيلة التي قتله أحدها، وربما لم يرضوا إلا بعددٍ يقتلونهم، فقتل بعض غِني
شأسَ بن زهير فجمع عليهم أبوه زهير بن جَذِيمة، فقالوا له - أو بعض من
نُدب عنهم -: سل في قتل شأس. فقال: إحدى ثلاث لا يغنيني غيرها، قالوا: وما هي؟ قال: تحيون لي شأسًا! أو تملؤون ردائي من نجوم السماء!
أو تدفعون إلي غنيًا بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أخذت منه عوضًا!.
وقَتَل كليب واثل: فاقتتلوا دهرًا طويلًا، واعتزلهم بعضهم، فأصابوا ابنًا
له يقال له: بُجَيْر، فأتاهم فقال: قد عرفتم عزلتي، فبجير بكليب - وهو أعز العرب -، وكفوا عن الحرب فقالوا: بحير بشسع (نعل) كليب، فقاتلهم وكان معتزلًا.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال إنه نزل في ذلك وغيره مما كانوا يحكمون
به في الجاهلية - هذا الحكم الذي أحكيه كله بعد هذا - وحَكَمَ اللَّه تبارك
وتعالى بالعدل، فسوّى في الحكم بين عباده، الشريف منهم والوضيع: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) .
[ ١ / ٢٥٤ ]
فقال: إن الإسلام نزل وبعض العرب يطلب بعضًا بدماء وجراح، فنزل
فيهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) إلى قوله تعالى:
(ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) الآية، والآية التي بعدها.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا معاذ بن موسى، عن بُكَير بن معروف، عن
مقاتل بن حيان، قال معاذ: قال مقاتل: أخذت هذا التفسير عن نفَر، حفظ معاذ منهم؛ مجاهدًا، والحسن، والضحاك بن مزاحم، قال: في قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) الآية.
قال: "كان كتب على أهل التوراة أنه من قتل نفسًا بغير نفس حق له أن يقاد بها، ولا يعفى عنه، ولا تقبل منه الدية، وفرض على أهل الإنجيل أنه يعفى عنه، ولا يقتل.
ورخص لأمة محمد - ﷺ - إن شاء قتل، وإن شاء أخد الدية، وإن شاء عفا، فذلك قوله تعالى: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) الآية " الحديث.
يقول: الدية تخفيف من الله إذ جعل الدية، ولا يَقتُل.
ثم قال: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الآية.
يقول: من قَتَلَ بعد أخذه الدية فله عذاب أليم.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا سفيان بن عيينة: قال حدثنا عمرو بن
دينار: قال سمعت مجاهدًا يقول: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله - ﷿ - لهذه الأمة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) .
[ ١ / ٢٥٥ ]
قال: العفو أن تقبل الدية في العمد
(فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) الآية.
مما كتب على من كان قبلكم (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
الآية.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وما قاله ابن عباس في هذا كما قال - واللَّه
سبحانه أعلم -.
وكذلك ما قال مقاتل؛ لأن اللَّه - ﷿ - إذ ذكَرَ القصاصَ، ثم قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) الآية، لم يجز - واللَّه أعلم - أن يقال: إن عُفِيَ بأن صُولِح على أخذ الدية؛ لأن العفو ترك حق بلا عوض، فلم يجز إلا أن يكون إن عُفِيَ عن القتل، فإذا عفا لم يكن إليه سبيل.
وصار للعافي - عن - القتل مال في مال القاتل، وهو دية قتيله فيتبعه
بمعروف، ويؤدي إليه القاتل بإحسان، فلو كان إذا عفا عن القاتل لم يكن له
شيء، لم يكن للعافي يتبعه، ولا على القاتل شيء يؤديه بإحسان.
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقد جاءت السنة مع بيان القرآن في مثل
معنى القرآن.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد
ابن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن الله
[ ١ / ٢٥٦ ]
حرّم مكة ولم يُحرمها الناس، فلا يحل لمن كان يومن بالله واليوم الآخر أن
يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرًا، فإن ارتخصَ أحدٌ فقال: أحِلَّت لرسول الله - ﷺ - فإن الله أحلها لي، ولم يحلها لله للناس، وإنَّما أحلت لي ساعة من النهار، ثم هي حرام كحرمتها بالأمس، ثم إنكم يا خزاعة قد قتلتم هدا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقلُه: فمن قتَلَ بعدَه قتيلًا فأهلُه بين خِيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخدوا العقل" الحديث.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قوله ﵎: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الآية، إنها في الحيين اللذين وصف مقاتل بن حيان
وغيره، ممن حكيت قوله في غير هذا الموضع. ثم أدبها أن يُقتل الحر بالحر إذا
قتلَه، والأنثى بالأنثى إذا قتلتها، ولا يُقتل غيرُ قاتلها إبطالًا؛ لأن يجاوز القاتل إلى غيره، إذا كان المقتول أفضل من القاتل، - كما وصفت - ليس أنه لا يُقتل ذكر بالأنثى، إذا كانا حُرين مسلمين، ولا أنه لا يقتل حر بعبد من هذه الجهة، إنما يترك قتْله من جهة غيرها، دهاذا كانت هكذا أشبه أن تكون لا تدل على ألا يكون يُقتل اثنان بواحد، إذا كانا قاتِلَين.
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وهي عامة في أن الله - عزّ ذكره - أوجب
القصاص بها إذا تكافأ دمان، وإنما يتكافآن بالحرية والإسلام، وعلى كل ما
وصفت من عموم الآية وخصوص بما دلالة من كتاب أو سنة أو إجماع.
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى،: فأيما رجل قتل قتيلًا فَوَلي المقتول بالخيار.
إن شاء قتل القاتل، وإن شاء أخذ منه الدية، وإن شاء عفا عنه بلا دية.
[ ١ / ٢٥٧ ]
الأم (أيضًا): الثلاتة يقتلون الرجل يصيبونه بجرح:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: أرأيت قول اللَّه - ﷿ -: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ) الآية، هل فيه دلالة على ألا يقتل حُرَّان بُحر، ولا رجل بأمرأة.
قيل له: لم نعلم نحالفًا في أن الرجل يقتل بالمرأة، فإذا لم يختلف أحد في هذا
ففيه دلالة على أن الآية خاصة، فإن قال قائل: فيم نزلت؟
قيل: أخبرنا معاذ بن موسى، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان قال: قال مقاتل: أخذت هذا التفسير من نفر، حفظ منهم: مجاهد، والضحاك، والحسن - ﵏ - قالوا:
قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيكُمُ اَلْقِصَاصُ فِى اَلْقَتلَى) الآية، قال: كان بدء ذلك في حيين من العرب، - الأوس والخزرج كما روي سابقًا - اقتتلوا قبل الإسلام بقليل، وكان لأحد الحيين فضل على الآخر، فاقسموا بالله ليقتلن بالأنثى الذكر، وبالعبد منهم بالحر، فلما نزلت هذه الآية، رضوا وسلموا.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وما أشبه ما قالوا من هذا بما قالوا: لأن اللَّه
ألزم كل مذنب ذنبه، ولم يجعل جرم أحد على غيره، فقال - ﷺ -: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) إذا كان - واللَّه أعلم - قاتلًا له، (وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) إذا كان قاتلًا له، (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى)
إذا كانت قاتلة لها، لا أن يُقتل بأحد ممن لم يقتله لفضل المقتول على القاتل، وقد جاء عن النبي - ﷺ -:
"أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله " الحديث
[ ١ / ٢٥٨ ]
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وما وصفت من أني لم أعلم مخالفًا في أن يقتل
الرجل بالمرأة، دليل على أن لو كانت هذه الآية غير خاصة، كما قال من وصفت قوله من أهل التفسير، لمِ يُقتل ذكر بأنثى، ولم يجعل عوام من حفظت عنه من أهل العلم، لا نعلم لهم مخالفا، لهذا هذا معناها: ولم يقتل الذكر بالأنثى!.
الأم (أيضًا): من لا قصاص بينه لاختلاف الدينين:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الآية.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فكان ظاهر الآية - واللَّه أعلم - أن القصاص
إنما كتب على البالغين المكتوب عليهم القصاص؛ لأنهم المخاطبون بالفرائض
إذا قتلوا المؤمنين بابتداء الآية.
وقوله - ﷿ - (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) الآية، لأنه جعل الأخوُّة بين المؤمنين، فقال - ﷿ - (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الآية.
وقطع ذلك بين المؤمنين والكافرين.
ودلت سنة رسول الله - ﷺ - على مثل ظاهر الآية.
الأم (أيضًا): باب (قتل الغيلة وغيرها وعفو الأولياء):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: كل من قُتِل في حرابة، أو صحراء، أو مِصْر.
أو مكابرة أو قُتِل على مال أو غيره، أو قتل نائرة فالقصاص، والعفو إلى
الأولياء، وليس إلى السلطان من ذلك شيء، إلا الأدب إذا عفا الولي.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الأم (أيضًا): باب (الرجل يمسك الرجل للرجل حتى يقتله):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: حد اللَّه الناس على الفعل نفسه وجعل فيه
القود، فقال ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الآية، وقال: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)
الآية، فكان معروفًا عند من خوطب بهذه الآية أن السلطان لولي المقتول على
القاتل نفسه، وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال:
"من اعتبط مسلمًا بقتل فهو قَوَدُ يده" الحديث.
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: لم أجد أحدًا من خلق اللَّه تعالى - يُقتدَى به
- حدُّ أحدًا قط على غير فعل نفسه أو قوله.
فلو أن رجلًا حبس رجلًا لرجل فقتله - الثاني - قُتل به القاتل وعوقب
الحابس، ولا يجوز في حكم اللَّه تعالى إذا قَتلتُ القاتلَ بالقتلِ أن أقتلَ الحابسَ
بالحبس، والحبس غير القتل، ومن قَتَلَ هذا فقد أحال حكم اللَّه - ﷿ -، لأن اللَّه إذ قال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الآية، فالقصاص أن يُفعل بالمرِء مثلُ ما فعل.
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وروي عن علي أنه قال: "يقتل القاتل.
ويحبس الممسك حتى يموت" الحديث.
[ ١ / ٢٦٠ ]
الأم (أيضًا): في المرتد:
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال ﷿: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) الآية، فبين في حكم الله ﷿: (أن جعل العفو أو القتل إلى ولي الدم، دون السلطان إلا في الهارب، فإنه قد حكم في الهاربين أن يقتلوا، أو يصلبوا فجعل ذلك عليهم حكمًا مطلقًا لم يذكر فيه أولياء الدم.
الأم (أيضًا): كتاب اللعان:
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وهكذا كل ما أوجبه اللَّه تعالى لأحد، وجب
على الإمام أخذه له، إن طلبه أخذه له بكل حال، فإن قال قائل فما الحجة في ذلك؟
قيل: قول اللَّه ﵎ اسمه: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية، فبين أن السلطان للولي، ثم
بين فقال في القصاص (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) الآية، فجعل العفو إلى
الولي.
الأم (أيضًا): ولاة القصاص:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وإذا سقط القصاص صارت لهم الدية، وإذا
كان للدم وليَّان فحكم لهما بالقصاص، أو لم يحكم حتى قال أحدهما: قد
عفوت القتلَ لله، أو قد عفوت عنه، أو قد تركت الاقتصاص منه، أو قال
القائل: اعفُ عني، فقال: قد عفوت عنك، فقد بطل القصاص عنه، وهو على
[ ١ / ٢٦١ ]
حق من الدية، وإن أحب أن يأخذه به أخذه، لأن عفوه عن القصاص غير عفوه عن المال، إنما هو عفو أحد الأمرين دون الآخر.
قال تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) الآية، يعني: من عفي له عن القصاص.
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: لو قال قد عفوت عنك القصاص والدية، لم
يكن له قصاص، ولم يكن له نصيب من الدية، ولو قال: عفوت ما لزمك لي، لم يكن هذا عفوًا للدية وكان عفوًا للقصاص، وإنَّما كان عفوًا للقصاص دون المال، ولم يكن عفوًا للمال دون القصاص، ولا لهما؛ لأن اللَّه - ﷿ - حكم بالقصاص.
ثم قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) الآية، فأعلم -
سبحانه - أن العفو مطلقًا، إنما هو ترك القصاص لأنه أعظم الأمرين.
وحكم بأن يتبع بالمعروف ويؤدي إليه المعفو له بإحسان.
الأم (أيضًا): باب (القصاص بين المماليك):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
الآية، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: كان في أهل الإنجيل إذا قتلوا: العقلُ، لم يكن فيهم قصاص، وكان في أهل التوراة: القصاص، ولم يكن فيهم دية، فحكم اللَّه - ﷿ - في هذه الأمة بأن في العمد: الدية إن شاء الولي، أو القصاص إن شاء، فأنزل اللَّه - ﷿ -:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) الآية.
[ ١ / ٢٦٢ ]
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وذلك والله أعلم بيَّن في التنزيل مستغنىً به
عن التأويل، وقد ذكِرَ عن ابن عباس بعضه، ولم أحفظ عنه بعضه فقال: - واللَّه أعلم - في كتاب اللَّه - ﷿ - أن أنزل فيما فيه القصاص، وكان بيّنًا: أن ذلك إلى ولي الدم، لأن العفو إنما هو لمن له القود، وكان بيّنا أن قول الله - ﷿ -: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) الآية، أن يعفو ولي الدم القصاص، ويأخذ
المال، لأنه لو كان ولي الدم - إذا عفا: القصاص - لم ببق له غيره، لم يكن له إذا ذهب حقه، ولم تكن دية يأخذها شيء يتبعه بمعروف، ولا يؤدى إليه
بإحسان، وقال اللَّه - ﷿ -: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) الآية، مبينًا أنه تخفيف القتل بأخذ المال.
الأم (أيضًا): باب (الديات):
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقد قال بعض أهل العلم: أي ولاة الدم
قام به قَتَل، وإن عفا الآخرون فأنزله منزلة الحد.
وقال غيره من أهل العلم: يقتل البالغون ولا ينتظرون الصغار.
وقال غيره: يقتل الولد ولا ينتظرون الزوجة.
قيل: ذهبنا إليه أنه السنة التي لا ينبغي أن تخالف، أو في مثل معنى
السنة والقياس على الإجماع.
فإن قال: فأين السنة فيه؟
قيل: قال رسول الله - ﷺ -:
"من قُتِل له قتيل فأهله بين خيرَتين إن أحبوا أخذوا القصاص، وإن أحبوا
فالدية" الحديث.
فلما كان من حكم رسول الله - ﷺ - أن لولاة الدم أن يقتلوا،
[ ١ / ٢٦٣ ]
ولهم أن يأخذوا المال، وكان إجماع المسلمين أن الدية موروثة، لم يحل لوارث أن يمنع الميراث من وَرث معه، حتى يكون الوارث يمنع نفسه من الميراث، وهذا معنى القرآن في قول الله ﷿: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) الآية.
وهذا مكتوب في كتاب الديات، ووجدنا ما خالفه
من الأقاويل، لا حجة فيه لما وصفت من السنة بخلافهم، ووجدت مع ذلك
قولهم متناقضًا.
مختصر المزني: باب (الخيار في القصاص):
بعد أن ذكَرَ حديث الشَّافِعِي عن أبي شريح الكعبي الذي ذكِرَ سابقًا في
الأم.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولم يختلفوا في أن العقل يورث كالمال، وإذا كان هكذا فكل وارث ولي، زوجة، أو ابنة، لا يخرج أحد منهم من ولاية الدم، ولا يقتل إلا باجتماعهم، وحبس القاتل حتى يحضر الغائب، ويبلغ الطفل، وإن كان فيهم معتوه فحتى يفيق أو يموت، فيقوم وارثه مقامه، وأيهم عفا عن القصاص كان على حقه من الدية، وإن عفا على غير مال كان الباقون على حقوقهم من
الدية، فإن عفوا جميعًا، وعفا المفلس يجنى عليه أو على عبده القصاص، جاز
ذلك لهم، ولم يكن لأهل الدين والوصايا منعهم، لأن المال لا يملك بالعمد إلا بمشيئة المجني عليه إن كان حيًا، وبمشيئة الورثة إن كان ميتًا.
وذكر المزني كذلك حديث مقاتل بن حيان الذي سبق ذكره.
[ ١ / ٢٦٤ ]
مختصر المزني (أيضًا): ومن كتاب جراح العمد:
وقد ذكر الشَّافِعِي - رحمه اللَّه تعالى - في تفسير هذه الآية، قول مقاتل
الوارد في تفسير الآية السابقة.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الجراح وغيره:
انظر ما كتبه الشَّافِعِي في الأم فيما سبق، فقد نقل الإمام البيهقي كثيرًا منه
كما هو بحرفيته، بالصفحات المشار إليها في أسفل الهامش، فلا حاجة للتكرار.