الأم باب (الإحصار بالعدو):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه - ﷿: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فلم أسمع ممن حفظت عنه من أهل العلم بالتفسير
مخالفًا في أن هذه الآية نزلت بالحديبية، حين أحصر النبي - ﷺ -، فحال المشركون بينه وبين البيت، وأن النبي - ﷺ - نحر بالحديبية، وحلق ورجع حلالًا، ولم يصل
إلى الببت، ولا أصحابه، إلا عثمان بن عفان - ﵁ - وحده، وسنذكر قصته.
وظاهر الآية أن أمر اللَّه - ﷿ إياهم ألا يحلقوا حتى يبلغ الهدي محله.
وأمره من كان به أذى من رأسه بفدية سمّاها، وقال اللَّه - ﷿:
(فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية.
وما بعدها يشبه - واللَّه أعلم - ألا يكون على المحصر بعدو قضاء؛ لأنّ
الله تعالى لم يذكر عليه قضاء، وذكر فرائض في الإحرام بعد ذكر أمره.
[ ١ / ٣٠٣ ]
الأم (أيضًا): باب (هل تجب العمرة وجوب الحج؟):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله ﵎: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) الآية.
فاختلف الناس في العمرة، فقال بعض المشرقيين: تطوع.
وقاله سعيد ابن سالم، واحتج بأن سفيان الثوري، أخبره عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي، أن رسول الله - ﷺ - قال: "الحج جهاد والعمرة تطوع" الحديث.
فقلتُ له: أثبت مثل هذا عن النبي - ﷺ -؛ فقال: هو منقطع، وهو وإن لم تثبُت به الحجة، فإن حجتنا في أنها تطوع أن الله - ﷿ يقول: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) الآية.
ولم يذكر في الموضع الذي بين إيجاب الحج، إيجاب العمرة، وأنَّا لم نعلم
أحدًا من المسلمين أمِرَ بقضاء العمرة عن ميّت، فقلت له: قد يحتمل قول الله
: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) الآية، أن يكون فرضهما معًا، وفرضه إذا كان
في موضع واحد يثبت بثبوته في مواضع كثيرة، لقوله تعالى:
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) الآية.
ثم قال: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) . الآية.
فذكرها مرة مع الصلاة، وأفرد الصلاة مرة أخرى دونها، فلم يمنع ذلك
الزكاة أن تثبت.
وليس لك حجة في قولك: لا نعلم أحدًا أمَرَ بقضاء العمرة
عن ميت إلا عليك مثلها لمن أوجب العمرة، بأن يقول: ولا نعلم من السلف
[ ١ / ٣٠٤ ]
أحدًا ثبت عنه أنه قال: لا تقضى عمرة عن ميت، ولا هي تطوع كما قلت، فإن كان لا نعلم لك حجة، كان قول من أوجَب العمرة: لا نعلم أحدًا من السلف ثبت عنه أنه قال: هي تطوع، وألا تقضى عن ميت حجة عليك، قال ومن ذهب هذا المذهب أشبه أن يتأول الآية: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) الآية، إذا دخلتم فيهما.
وقال بعض أصحابنا: العمرة سنة لا نعلم أحدًا أرخص في تركها.
قال: وهذا القول يحتمل إيجابها إن كان يريد أن تحتمل إيجابها، وأنّ ابن
عباس ﵄ ذهب إلى إيجابها، ولم يخالفه غيره من الأئمة، ويحتمل
تأكيدها لا إيجابها.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: والذي هو أشبه بظاهر القرآن، وأولى بأهل
العلم عندي - وأسال الله التوفيق - أن تكون العمرة واجبة، فإن اللَّه - ﷿ - قرنها مع الحج فقال: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية.
وأن رسول الله - ﷺ - لله اعتمر قبل أن يحج، وأن رسول اللَّه - ﷺ - سنّ إحرامها
والخروج منها بطواف وحِلاَق وميقات، وفي الحج زيادة عمل على العمرة.
فظاهر القرآن أولى إذا لم يكن دلالة على أنَّه باطن دون ظاهر، ومع ذلك قول ابن عباس وغيره.
[ ١ / ٣٠٥ ]
أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس رضي
الله عنهما أنَّه قال: "والذي نفسي بيده إنها لفرينتها في كتاب الله (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) الآية " الحديث.
أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال:
" ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان" الحديث.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقاله غيره من مكيينا، وهو قول الأكثر منهم.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية، وسن رسول الله - ﷺ - في قِرَان العمرة مع الحج هديًا، ولو كان أصل العمرة تطوعًا، أشبه ألا يكون لأحد أن يقرن العمرة مع الحج؛ لأن أحدًا لا يدخل في نافلة فرضًا حتى يخرج من أحدهما قبل الدخول في الآخر، وقد يدخل في أربع ركعات وكثر نافلة قبل أن يفصل بينهما بسلام، وليس ذلك في مكتوبة ونافلة من الصلاة، فأشبه ألا يلزمه بالتمتع أو بالقران هدي، إذا كان أصل العمرة تطوعًا بكل حال؛ لأن حكم ما لا يكون إلا تطوعًا بحال، غير حكم ما يكون فرضًا في الحال.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال رسول الله - ﷺ -: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" الحديث.
وقال رسول الله - ﷺ - لسائله عن الطيب
والثياب: "افعل في عمرتك ما كنت فاعلًا في حَجتك" الحديث.
[ ١ / ٣٠٦ ]
أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي بكر، أن في
الكتاب الذي كتبه النبي - ﷺ - لعمرو بن حزم:
" أنَّ العمرة هي الحج الأصغر" الحديث.
قال ابن جريج: ولم يحدثني عبد اللَّه بن أبي بكر عن كتاب رسول الله - ﷺ -، لعمرو بن حزم شيئًا إلا قلت له: أي شكٍّ أنتم من أنَّه كتاب رسول الله - ﷺ -؟
فقال: لا.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ويجزيه أن يقرن الحج مع العمرة، وتجزيه من
العمرة الواجبة عليه، ويهريق دمًا قياسًا على قول اللَّه - ﷿ -:
(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية.
فالقارن أخفُّ حالًا من المتمتع.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وتجزئ العمرة قبل الحج، والحج قبل العمرة من
الواجبة عليه.
كما يسقط ميقات الحج إذا قذم العمرة قبله لدخول أحدهما في الآخر.
ولا ميقات للعمرة دون الحل، وأحبُّ أن يعتمر من الجِغرَانة؛ لأن النبي - ﷺ - اعتمر منها، فإن أخطاه ذلك اعتمر من التنعيم؛ لأن النبي - ﷺ - أمر عائشة أن
تعتمر منها وهي أقرب الحل إلى البيت.
فإن أخطاه ذلك اعتمر من الحديبية؛ لأن النبي - ﷺ - صلى بها، وأراد المدخل لعمرته منها.
[ ١ / ٣٠٧ ]
أخبرنا ابن عيينة، أنَّه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت عمرو بن أوس
الثقفي يقول: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، "أن النبي - ﷺ - أمره أن يردف عائشة فيعمرها من الننعيم" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: وعائشة كانت قارنة، فقضت الحج والعمرة
الواجبتين عليها، وأحبَّت أنَّ تنصرف بعمرة غير مقرونة بحج، فسألت ذلك النبي - ﷺ - فأمر بإعمارها، فكانت لها نافلة خيرًا، وقد كانت دخلت مكة بإحرام فلم يكن لها رجوع إلى الميقات.
الأم (أيضًا): باب (هل لمن أصاب الصيد أن يفديه بغير النعم؟):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فقال عطاء ﵀: كل شيء في القرآن (أو
، أو. . .) يختار منه صاحبه ما شاء.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ويقول عطاء في هذا أقول: قال اللَّه جل ثناؤه: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) الآية.
ورُوِي عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: لكعب بن عجرة، أي ذلك فعلت أجزأك، وقال اللَّه - ﷿ -: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ) الآية.
الأم (أيضًا): باب (في الحج):
قال الربيع:
[ ١ / ٣٠٨ ]
وسألت الشَّافِعِي عن العمرة في أشهر الحج فقال: حسنة أستحسنها، وهي
أحب إليَّ منها بعد الحج، لقول اللَّه - ﷿ ث (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) الآية.
ولقول رسول الله - ﷺ -: "دخلت العمرة في الحج" الحديث، ولأنّ النبي - ﷺ -
أمر أصحابه: "من لم يكن معه هدي أن يجعل إحرامه عمرة" الحديث.
وقال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر
﵄ أنه قال: "والله لأن أعتمر قبل أن أحج وأهدي أحبّ الي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة" الحديث.
الأم (أيضًا): الإحصار:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: الإحصار الذي ذكره اللَّه ﵎، فقال:
(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية، نزلت يوم الحديبية، وأحصِر
النبي - ﷺ - بعدوّ، ونَحَرَ ﵊ في الحلِّ.
الأم (أيضًا): باب (دخول مكه لغير إرادة حج ولا عمرة):
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية.
فأذن - اللَّه - للمحرمين بحج أو عمرة، أن يُحلوا لخوف الحرب، فكان من
لم يحرم أولى إن خاف الحرب ألا يحرم، من محرم يخرج من إحرامه، ودخلها
رسول الله - ﷺ - عام الفتح غير محرم للحرب.
[ ١ / ٣٠٩ ]
الأم (أيضًا): باب (ما تجزئ عنه البدنة من العدد في الضحايا):
قال الشَّافِعِي ﵀: أقول بحديث مالك، عن ابن الزبير رضي اللَّه
عنهما، عن جابر - ﵁ -، أنهم نحروا مع رسول الله - ﷺ - عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وكانوا محصرين قال اللَّه ﵎: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية، فلما قال سبحانه: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية.
شاة، فاجزأت البدنة عن سبعة محصورين ومتمتعين، وعن سبعة وجبت
عليهم من قِرَان أو جزاء صيد، أو غير ذلك.
الأم (أيضًا): الخلاف في حجِّ المرأة والعبد:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في العبد يهلُّ بالحج من غير إذن سيده.
فأحبّ إليَّ أن يدعه سيده، وله منعه، وإذا منعه فالعبد كالمحصر لا يجوز فيه إلا قولان - واللَّه أعلم -:
أحدهما: أن ليس عليه إلا دم، ولا يجزيه غيره، فيحل إذا كان عبدًا غير
واجدٍ للدم، ومتى عتق ووجد ذبح، ومن قال هذا في العبد قاله في الحرِّ يحصر بالعدو، وهو لا يجد شيئًا، يحلق ويحل ومتى أيسر أدى الدم.
الثاني: أن تُقَوَّم الشاة دراهم، والدراهم طعامًا، فإن وُجد الطعام تصدق
به، وإلا صام عن كل مدٍّ يومًا، والعبد بكل حال ليس بواجد فيصوم.
قال الشَّافِعِي ﵀: ومن ذهب هذا المذهب قاسه على ما يلزمه من
هدي المتعة، فإن الله - ﷿ - يقول: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) .
[ ١ / ٣١٠ ]
فلو لم يجد هديًا، ولم يصم، لم يمنعه
ذلك من أن في من عمرته وحجه، ويكون عليه بعده الهَدي أو الطعام.
الأم (أيضًا): باب (الإحصار بالمرض):
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية.
ثم ذكر ما ورد في فقرة باب الإحصار للعدو، وبعدها قال: فرأيت أن
الآية بأمر اللَّه تعالى بإتمام الحج والعمرة لله عامة، على كل حاج ومعتمر إلا من استثنى اللَّه، ثم سنّ فيه رسول الله - ﷺ - من الحصر بالعدو، وكان المريض عندي ممن عليه عموم الآية، وقول ابن عباس، وابن عمر، وعائشة ﵃.
يوافق معنى ما قلت - وإن لم يلفظوا به - إلا كما حُدِّث عنهم.
الأم (أيضًا): الضحايا الثاني:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد قال الله تعالى في المتمتع: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية، وقال ابن عباس ﵄: ما استيسر من الهدي:
شاة، وأمر رسول الله - ﷺ - مه أصحابه الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج أن يذبحوا
شاة، شاة وكان ذلك أقل ما يجزيهم، لأنه إذا أجزأه أدنى الدم، فأعلاه
خير منه.
[ ١ / ٣١١ ]
الأم (أيضًا): باب (في الحج):
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، لأنَّه كان
يقول: (مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ): بعير أو بقرة.
قال الشَّافِعِي ﵀: ونحن وأنت نقول: (مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) شاة.
ونرويه عن ابن عباس ﵄، وإذا جاز لنا أن نترك على ابن عمر
لابن عباس كان الترك عليه للنبي - ﷺ - واجبًا.
الأم (أيضًا): باب (ميقات العمرة مع الحج):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: وكيف قلت هذا في المكيّ.
وأنت لا تجعل عليه دم المتعة؟
قيل: لأن الله - ﷿ قال: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الآية.
الأم (أيضا): باب (الإحصار للعدو):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: فإن اللَّه - ﷿ - يقول: (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) الآية، قلت: اللَّه أعلم بمحله، هذا يشبه أن يكون إذا أحصر، نحره حيث أحصر كما وصفت، ومحله في غير الإحصار الحرم، وهو كلام عربي واسع.
[ ١ / ٣١٢ ]
الأم (أيضًا): الخلاف في النذر في غير طاعة الله ﷿:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه ﵎: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) الآية، فبيّن رسول الله
- ﷺ -، عن اللَّه - ﷿ بأن الصوم ثلاث، والإطعام ستة مساكين فَرَقًا من طعام.
والنسك شاة، فكانت الكفارات تعبدًا، وخالف الله - ﷿ - بينها كما شاء، لا معقب لحكمه.
مختصر المزنى: باب (بيان التمتع بالعمرة. ..):
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه - ﷿ -: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) الآية.
فإذا أهَلُّ بالحج في شوال، أو ذي القعدة، أو ذي الحجة، صار متمتعًا، فإن له أن يصوم حين يدخل في الحج، وهو قول عمرو بن دينار. قال: وعليه ألا يخرج من الحج حتى يصوم - إذا لم يجد هديًا - الأيام الثلاثة. . . ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله.
الرسالة: باب (البيان الأول):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎ في التمتع:
(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .
[ ١ / ٣١٣ ]
فكان بيِّنًا عند من خوطب بهذه الآية، أن صوم الثلاثة في الحج، والسبع
في المرجع - فيصبح المجموع - عشرة أيام كاملة.
قال اللَّه تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) فاحتملت أن تكون زيادة في التبيين.
واحتملت أن يكون أعلمهم أن ثلاثة إذا جمعت إلى سبع، كانت عشرة كاملة.
وقال تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) الآية، ثم بين الله على لسان
رسوله - ﷺ - كيف عمل الحج والعمرة. . .؟.
وقال ﷾: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية، فدل
الكتاب والسنة وما لم يختلف المسلمون فيه أن هذا كله. في مال الرجل، بحق وجب عليه للهِ، أو أوجبه الله للآدمين، بوجوه لزمه، وأنه لا يكلف أحد غرمه عنه.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه في الحج:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الآية.
[ ١ / ٣١٤ ]
فحاضره: من قرب منه، وهو: كل من كان أهله من دون أقرب المواقيت.
دون ليلتين.
أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: فيما بلغه عن وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مُرَّة.
عن عبد بن سلمة، عن علي - ﵁ - في هذه الآية: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) الآية، قال: "أن يحرم الرجل من دويرة أهله" الحديث.
وأخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: ولا يجب دم المتعة على المتمتع، حتى يُهِل بالحج؛ لأن
الله جل ثناؤه يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الآية.
وكان بينًا - في كتاب اللَّه - ﷿ - أن التمتع هو: التمتع بالإهلال من العمرة إلى أن يدخل في الإحرام بالحج، وأله إذا دخل في الإحرام بالحج، فقد أكمل التمتع.
ومضى التمتع، وإذا مضى بكماله فقد وجب عليه دمه، وهو قول عمرو بن دينار.
قال الشَّافِعِي ﵀: ونحن نقول: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ): شاة.
وُيروى عن ابن عباس فمن لم يجد: فصيام ثلاثة أيام، فيما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة، فإذا لم يصم: صام بعد منى (بمكة أو في سفره)، وسبعة أيام بعد ذلك.
وقال في موضع آخر: وسبعة في المرجع، وقال في موضع آخر: إذا رجع إلى
أهله.
[ ١ / ٣١٥ ]