الأم: باب (حكاية قول من رد خبر الخاصة):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قلت: الاختلاف وجهان:
١ - فما كان لله فيه نص حكم، أو لرسوله سنة، أو للمسلمين فيه
إجماع، لم يسع أحدًا علم من هذا واحدًا أن يخالفه.
[ ١ / ٤٨٨ ]
٢ - وما لم يكن فيه من هذا واحد، كان لأهل العلم الاجتهاد فيه بطلب
الشبهة بأحد هذه الوجوه الثلاثة، فإذا اجتهد من له أن يجتهد، وسِعهُ أن يقول بما وجد الدلالة عليه، بأن يكون في معنى كتاب، أو سنة، أو إجماع، فإن ورد أمر مشتبه يحتمل حكمين مختلفين، فاجتهد فخالف اجتهاده اجتهاد غيره، وَسِعَه أن يقول بشيء، وغيره بخلافه، وهذا قليل إذا نظر فيه.
قال (أي: المحاور) فما حجتك فيما قلت؟
قلتُ له: الاستدلال بالكتاب، والسنة، والإجماع.
قال: فاذكر - الفرق بين حكم الاختلاف.
من الكتاب: قلت له: قال الله ﷿: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) الآية، فإنما رأيت اللَّه ذم الاختلاف في الموضع الذي أقام عليهم الحجة، ولم يأذن لهم فيه.
قال (أي: المحاور): فأين السنة التي دلت على سعة الاختلاف؟
قلت: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، عن محمد
ابن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العا ع، عن
عمرو بن العاص لؤحه أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد، فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر" الحديث.
أما الإجماع: قلت: ما وصفنا من أن الحكام والمفتين إلى اليوم، قد اختلفوا
في بعض ما حكموا فيه وأفتوا، وهم لا يحكمون ويفتون إلا بما يسعهم
[ ١ / ٤٨٩ ]
عندهم، وهذا عندك - الخطاب للمحاور - إجماع، فكيف يكون إجماعًا إذا كان موجودًا في أفعالهم الاختلاف؟ - واللَّه أعلم -
الرسالة: باب (الاختلاف):
قال - المحاور للشافعي -: فإني أجد أهل العلم قديمًا وحديثًا مختلفين في
بعض أمورهم، فهل يسعهم ذلك؟
قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له: الاختلاف من وجهين: أحدهما محرّم.
ولا أقول ذلك في الآخر.
قال: فما الاختلاف المحرَّمُ؟
قلتُ: كل ما أقام اللَّه به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه - ﷺ - منصوصًا بينًا، لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه، وما كان من ذلك يحتمل التأويل وُيدرك قياسًا، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس، وإن خالفه فيه غيره، لم أقل إنه يُضيَّق عليه ضِيقَ الخلاف في المنصوص.
قال: فهل في هذا حجة تبين فرقك بين الاختلافين؟
قلت: قال اللَّه في ذم التفرق: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) .
وقال جل ثناؤه: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) الآية، فذم الاختلاف فيما جاءتهم به
البينات، فأما ما كُلفوا فيه الاجتهاد فقد مثلته لك بالقبلة والشهادة وغيرها.
قال: فمثل لي بعض ما افترق عليه من رُوي قوله من السلف، مما لله فيه
نصُّ حكم يحتمل التأويل، فهل يوجد على الصواب فيه دلالة؟
قلت: قل ما اختلفوا فيه إلا وَجَدنا فيه عندنا دلالة من كتاب اللَّه، أو سنة
رسوله، أو قياسًا عليهما، أو على واحد منهما.
[ ١ / ٤٩٠ ]