الأم: كتاب (الحج):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: والآية التي فيها بيان فرض الحج، على من
فُرضِ عليه، قال اللَّه جل ذكره: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا سفيان بن عيينه، عن ابن أبي نجيح، عن
عكرمة قال: لما نزلت: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) الآية، قالت اليهود: فنحن مسلمون، فقال اللَّه تعالى لنبيه - ﷺ - فحجهم، فقال لهم النبي - ﷺ -: حجوا"
فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، قال الله ﷿: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) الآية.
[ ١ / ٤٨٠ ]
قال عكرمة: من كفر من أهل الملل، فإن اللَّه غني عن العالمين، وما أشبه ما
قال عكرمة بما قال - واللَّه أعلم -، لأن هذا كفر بفرض الحج، وقد أنزله الله.
والكفر بآية من كتاب الله كفر.
أخبرنا مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: قال مجاهد في
قول اللَّه - ﷿ -: (وَمَنْ كَفَرَ)، قال هو: ما إن حج لم يره بزًا، وإن
جلس لم يره إثمًا. كان سعيد بن سالم يذهب إلى أنه كفر بفرض الحج.
قال الشَّافِعِي ﵀: ومن كفر بآية من كتاب الله كان كافرًا، وهذا إن شاء
الله كما قال مجاهد ﵀، وما قال عكرمة فيه أوضح، وإن كان هذا واضحًا.
قال الشَّافِعِي ﵀: فعئم فرض الحج كل بالغ مستطيع إليه سبيلًا.
الأم (أيضا): باب (تفرى حع الصبي والمملوك):
بعد أن ذكر قول عطاء، وفسئر معنى قول ابن عباس ﵄ في
حج المبي قبل بلوغه، أو المملوك قبل عتقة، هل يلزمه حجة الإسلام بعد
البلوغ، أو بعد العتق؟
قال الشَّافِعِي ﵀: وذلك أنه - أي: ابن عباس ﵄ -
وغيره من أهل الإسلام، لا يرون فرض الحج على أحد إلا مرة واحدة؛ لأن
الله - ﷿ يقول: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) الآية، فذكره مرة، ولم يردد ذكره مرة أخرى.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مسلم، وسعيد، عن ابن جريج أنه قال
لعطاء: أرأيت إن حج العبد تطوعًا يأذن له سيده بحج، لا أجر نفسه، ولا حج به أهله يخدمهم؟
قال: سمعنا أنه إذا عُتِق حج لابدَّ.
[ ١ / ٤٨١ ]
أخبرنا مسلم، وسعيد، عن ابن جريج، عن ابن طاووس، أن أباه كان
يقول: تقضى حجة الصغير عنه حتى يعقل، فإذا عقل وجبت عليه حجة لابد
منها، والعبد كذلك أيضًا، قالا: أي مسلم وسعيد - وأخبرنا ابن جريج، أن قولهم هذا عن ابن عباس ﵄.
قال الشَّافِعِي ﵀: إذا عقل الصي: إذا احتلم - والله أعلم -.
الأم (أيضًا): باب (الاستطاعة بنفسه وغيره):
قال الشَّافِعِي ﵀: ولما أمر رسول الله - ﷺ - الخثعمية بالحج عن أبيها.
دلت سنة رسول الله - ﷺ - أن قول الله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) الآية، على معنيين:
أحدهما: أن يستطيعه بنفسه وماله.
والآخر: أن يعجز عنه بنفسه بعارض: (كبر، أو سقم، أو فطرة خِلقةِ، لا
يقدر معها على الثبوت على المركب)، ويكون من يطيعه إذا أمره بالحج عنه، إما بشيء يعطيه إياه وهو واجد له، واما بغير شيء فيجب عليه أن يعطى إذا وجد، أو يأمر إن أطيع، وهذه إحدى الاستطاعتين.
وجماع الطاعة التي توجب الحج وتفريعها اثنان:
أحدهما: أن يأمر فيُطَاع بلا مال.
[ ١ / ٤٨٢ ]
والآخر: أن يجد مالًا يستأجر به من يطيعه، فتكون إحدى الطاعتين.
ولو تحامل فحج أجزأت عنه، ورجوت أن يكون أعظم أجرًا ممن يخفُّ ذلك
عليه، ولما أمر رسول الله - ﷺ - المرأة - الخثعيمة - أن تحج عن أبيها إذ أسلم، وهو لا يستمسك على الراحلة، فدل ذلك على أن عليه الفرض إذا كان مستطيعًا بغيره، إذا كان في هذه الحال.
والميت أولى أن يجوز الحج عنه؛ لأنه في أكثر من معنى هذا الذي لو تكلف
الحج بحال أجزأه، والميت لا يكون فيه تكلْف أبدًا.
الأم (أيضًا): باب (هل تجب العمرة وجوب الحج؟):
بعد أن ذكر قول بعض المشرقيين: العمرة تطوع؛ لأن اللَّه - ﷿ - يقول: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) الآية.
ولم يذكر في الموضع الذي بين فيه إيجاب الحج، إيجاب العمرة، وألا لم نعلم أحدًا من المسلمين أمر بقضاء العمرة عن ميت.
قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له: قد يحتمل قول اللَّه - ﷿ -: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) الآية.
أن يكون فرضها معًا، وفَرْضُه إذا كان في موضع واحد يثبت ثبوته في مواضع كثيرة، - وضرب أمثلة من القرآن على ذلك -.
وقال الشَّافِعِي ﵀: وقال بعض أصحابنا: العمرة سُنة لا نعلم أحدًا
أرخص في تركلها، وهذا القول يحتمل إيجابها، إن كان يريد أن الآية تحتمل
[ ١ / ٤٨٣ ]
إيجابها، وأن ابن عباس ﵄ ذهت إلى إيجابها، ولم يخالفه غيره من
الأئمة، ويحتمل تأكيدها، لا إيجابها.
قال الشَّافِعِي ﵀: والذي هو أشبه بظاهر القرآن، وأولى بأهل العلم
عندي - وأسال اللَّه التوفيق - أن تكون العمرة واجبة، فإن اللَّه - ﷿ - قرنها مع
الحج فقال: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)
وأن رسول الله - ﷺ - اعتمر قبل أن يحج، وأن رسول الله - ﷺ - سنَّ إحرامها والخروج منها، بطواف وحِلاَق وميقات، وفي الحج زيادة عمل
على العمرة، فظاهر القرآن أولى إذا لم يكن دلالة على أنه باطن دون ظاهر، ومع ذلك قول ابن عباس ﵄ وغيره.
أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس رضي
الله عنهما أنه قال: والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب اللَّه: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) الآية
أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: "ليس من خلق
الله تعالى أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان"
وقال الشَّافِعِي ﵀: قد قال غيره من مكيينا، وهو قول الأكثر منهم.
الأم (أيضًا): باب (دخول مكة لغير إرادة حج ولا عمرة):
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه - ﷿ -: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) .
الآية، فكان ذلك دلالة كتاب اللَّه - ﷿ - فينا وفي الأمم، على أن الناس مندوبون إلى إتيان البيت بإحرام.
[ ١ / ٤٨٤ ]
الأم (أيضًا) ما جاء في أمر النكاح:
قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) الآية، فذكر الحج والعمرة معًا في الأمر، وأفرد الحج في الفرض.
فلم يقل أكثر أهل العلم العمرة على الحتم، وإن كُنا نحبُّ ألا يدعها مسلم.
وأشباه هذا في كتاب اللَّه - ﷿ - كثير.
الرسالة: جمل الفرائض:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) الآية، أحكم اللَّه فرضه في كتابه في الصلاة والزكاة والحج، وبين كيف فَرَضَه على لسان نبيه - ﷺ -.
الرسالة (أيضًا): في الحج:
وفرض اللَّه الحج على من يجد السبيل - قال اللَّه تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) الآية -، فذكر عن النبي - ﷺ - أن السبيل: الزاد والمركب، وأخبر رسول الله - ﷺ - بموافيت الحج، وكيف التلبية فيه؛ وما
[ ١ / ٤٨٥ ]
سَنَّ؟ وما يتقي المحرم من لبس الثياب والطيب، وأعمال الحج سواها؛ من عرفة والمزدلفة والرمي والحِلاَق والطواف، وما سوى ذلك.
فلو أن امرا لم يعلم لرسول الله سنة مع كتاب الله إلا ما وصفنا مما سن
رسول الله - ﷺ - فيه معنى ما أنزله الله جملة، وأنه إنما استدرك ما وصفت من فرض الله الأعمال، وما يحرّم وما يحل، ويُدخل به فيه ويُخرج منه، ومواقيته.
وما سُكِت عنه سوى ذلك من أعماله - قامت الحجة عليه بأن سنة رسول الله - ﷺ - إذا قامت هذا المقام مع فرض الله في كتابه مرة أو أكثر: قامت كذلك أبدًا.
واستُدِل أنه لا تخالف له سنة أبدا كتاب الله وأن سنته وإن لم يكن فيها نص كتاب-: لازمة بما وصفت من هذا مع ما ذكرت سواه مما فرض الله من طاعة رسوله ﷺ.
ووجب عليه أن يعلم أن الله لم يجعل هذا لخلق غير رسوله ﷺ.
وأن يجعل قول كل أحد وفعله أبدا: تبعا لكتاب الله ثم سنة رسوله ﷺ
وأن يعلم أن عالما إن روي عنه قول يخالف فيه شيئا
سن فيه رسول الله سنة -: لو علم سنة رسول الله لم يخالفها وانتقل عن وقوله إلى سنة النبي إن شاء الله وإن لم يفعل كان غير موسع له.
فكيف والحجج في مثل هذا لله قائمة على خلقه بما افترض من طاعة النبي ﷺ وأبان من موضعه الذي وضعه به من وحيه ودينه وأهل دينه (١) .
اختلاف الحديث: خطبة الكتاب:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الق تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) الآية، قد، رسول الله - ﷺ - على مواقيت الحج وما يدخل به فيه، وما يخرج به منه، وما يُعمل فيه بين الدخول والخروج.
_________________
(١) يستحسن ذكر تعليق المحقق أحمد محمد شاكر في الهامش على الفقرات بقوله: هذه الفقرات العالية الرائعة (٥٣٦ - ٥٤١) في نصرة السنة، وتعليم العلماء وجوب اتباعها، مما يكتب بذوب التبر، لا بماء الحبر رحم الله الشَّافِعِي ورضي عنه.
[ ١ / ٤٨٦ ]