أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في
الطهارات والصلوات):
قال الشَّافِعِي رهه الله تعالى: وفي قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) هِ الآية، لقوله: إلا لنعلم أن قد عَلِمَهم من
يتبع الرسول، وعِلْمُ الله كان - قبل اتباعهم وبعده - سواء.
وقد قال المسلمون: فكيف بما مضى من صلاتنا، ومن مضى منا؟
فأعلمهم الله: أن صلاتهم إيمان فقال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُم) الآية.
مناقب الشافعى: باب (ما يؤثر عنه في الإيمان):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وسمَّى - الله - الطهور والصلوات إيمانًا في
كتابه، وذلك حين صرف الله تعالى وجه نبيه - ﷺ - من الصلاة إلى بيت المقدس، وأمره بالصلاة إلى الكعبة.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وكان المسلمون قد صلّوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا فقالوا: يا رسول
الله، أرأيت صلاتنا التى كنا نصليها إلى بيت المقدس، ما حالها وحالنا؟
فأنزل اللَّه تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) الآية.
فسمَّى الصلاة إيمانًا، فمن لقي ربه حافظًا لصلواته، حافظًا
لجوارحه، مؤديًا بكل جارحة من جوارحه ما أمر اللَّه به وفرض عليها لقي اللَّه مستكمل الإيمان من أهل الجنة، ومن كان لشيء منها تاركًا متعمدًا مما أمر اللَّه به لقي اللَّه ناقص الإيمان.
وفيما حُكِي عن المزني، عن الشَّافِعِي رحمهما اللَّه أنه قال: قوله - ﷿ -: (إِلًا لِنَعلَمَ مَن يَتبعُ اَلرسُولَ) الآية، وعِلمُ اللَّه، كان قبل اتباعهم وبعده، سواء.
قال الله ﷿: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)
الأم: من كتاب جماع العلم (التكليف بالاجتهاد في التأخِّي لما أمر بطلبه)
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وشطره: قصده، وذلك تلقاؤه، قال: أجل.
[ ١ / ٢٣٠ ]
قلت (أي: الشَّافِعِي) وقال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الآية.
وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) الآية.
وخلق الجبال والأرض، وجعل المسجد الحرام حيث وَضَعَه من أرضه، فكلّف خلقه التوجه إليه:
١ - فمنهم من يرى البيت فلا يسعه إلا الصواب بالقصد إليه.
٢ - ومنهم من يغيب عنه، وتنأى داره عن موضعه، فيتوجه إليه بالاستدلال
بالنجوم، والشمس والقمر، والرياح، والجبال، والمهاب، كل هذا قد
يستعمل في بعض الحالات ويدل فيها ويستغني بعضها عن بعض.
قال: هذا كما وصفتَ، ولكن على إحاطة أنت من أن تكون إذا توجهت
أصبت؟ قلت: أما على إحاطةٍ من أني إذا توجهت أصبت ما أكلف، وإن لم
أكلف أكثر من هذا فنعم.
قال: أفعلى إحاطةٍ أنت من صواب البيت بتوجهك؟ قلتُ: أفهذا شيء
كلفت الإحاطة في أصله البيت؛ وإنَّما كُلفت الاجتهاد.
قال: فما كُلفت؟، قلتُ: التوجه شطر المسجد الحرام، فقد جئت
بالتكليف، وليس يعلم الإحاطة بصواب موضع البيت آدمي إلا بعيان، فأمّا ما غاب عنه من عينه فلا يحيط به آدمي.
قال: فنقول: أصبت؛، قلتُ: نعم، على
معنى ما قلتَ أصبتُ ما أمِزتُ به. فقال: ما يصح في هذا الجواب أبدًا غير ما أجبتَ به، وإن من قال: كلفت الإحاطة بأن أصيب، لزعم أنه لا يصلي إلا أن
[ ١ / ٢٣١ ]
يحيط بأن يصيب أبدًا. وإن القرآن ليدل كما وصفت على أنه إنما أمر بالتوجه إلى المسجد الحرام.
والتوجه: هو التأخِّي والاجتهاد، لا الإحاطة.
الأم (أيضًا): من فصل (الإقرار والاجتهاد والحكم بالظاهر)
وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: فأين هذا؟ قيل: مثل الكعبة
من رآها صلى إليها، ومن غاب عنها توجه إليها بالدلائل عليها، لأنها
الأصل، فإن صلّى غائبًا عنها برأي نفسه بغير اجتهاد بالدلائل عليها كان
مخطئًا، وكانت عليه الإعادة. وكذلك الاجتهاد فمن اجتهد على الكتاب والسنة فذلك. ومن اجتهد على غير الكتاب والسنة كان مخطئًا. ..
ولا يجوز أن يعمل ذلك برأي نفسه على غير أصل، كما إذا كان الكتاب
والسنة موجودين، فآمره يترك الدلائل وآمره يجتهد برأيه!
وهذا خلاف كتاب اللَّه - ﷿ لقوله تعالى: وَحَيثُ مَا كُنتُز فَوُّلوًا وُجُوهَكُثم شَظرَهُ و) الآية.
الرسالة: باب (فرض الصلاة الذي دلَّ الكتاب ثم السنة على من تَزول عنه
بالعذر وعلى من لا تكتب صلاته بالمعصية):
قال الشَّافِعِي ﵀: ووجه اللَّه رسوله للقبلة في الصلاة إلى بيت
المقدس، فكانت القبلة التي لا يحل - قبل نسخها - استقبال غيرها.
[ ١ / ٢٣٢ ]
اختلاف الحديث: المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: والناسخ من القرآن الأمر ينزله اللَّه من بعد الأمر
يخالفه، كما حَول القبلة، فقال - ﷿ -: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) .
أحكام القرآن: من فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات):
قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) الآية، يقال: يجدون - فيما نزل عليهم - أن النبي
الأمِّي من ولد إسماعيل بن إبراهبم علبهم السلام. يخرج من الحرم، وتعود
قبلته وصلاته مخرجه. (يعني الحرم) .
الزاهر باب (القبلة):
ذكر الشَّافِعِي - ﵀ -: قول اللَّه - ﷿ -:
(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الآية.
وقوله: (فَوَل وَجهَكَ)، أي: أقبل بوجهك، فوجِّه وجهك.
وكذلك قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) الآية، أي: مستقبلها.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وقال أبو العباس (أحمد بن يحيى): التولية هاهنا: إقبال، وقد تكون (التولية)
إدبارًا كقولك: وَلِّ عني وجهك، أي: أدبر عني بوجهك، وقد ولى: إذا أدبر.
وأما قوله تعالى: (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الآية، فشطره: تلقاؤه وجهته
ونحوه.
وأصل الشطر: النحو، وقول الناس: فلان شاطِر معناه: قد أخذ في نحو
غير الاستواء. ويقال: هؤلاء قوم يشاطروننا، أي: دُورُهم تقابل دورنا، كما تقول: هم يناحوننا، أي: نحن ننحُو نحوهم، وينحون نحونا.
وشطر كل شيء: نصفه.