الأم: باب (بيع الآجال):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فلا يجوز البيع إلى العطاء، ولا إلى الحصاد.
ولا إلى الجداد؛ لأن ذلك يتقدم ويتأخر، وإنَّما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) الآية.
[ ١ / ٤٣٩ ]
الأم (أيضًا): باب (الشهادة في البيوم):
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - ﷿ - في آية الدين: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ) الآية، والدين تبايع، وقد أمر فيه بالإشهاد، فبين المعنى الذي أمر له به، فدلَّ ما بين اللَّه - ﷿ - في الدين، على أن اللَّه - ﷿ - إنَّما أمر به على النظر والاحتياط، لا على الحتم، قلتُ: قال اللَّه تعالى:
(إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) الآية.
الأم (أيضًا): باب (السلف والمراد به السْلم):
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) إلى قوله:
(وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) الآية، فلما أمر اللَّه - ﷿ - بالكتاب ثم رخص في الإشهاد إن كانوا على سفر، ولم يجدوا كاتبًا احتمل أن يكون فرضًا، واحتمل أن يكون دلالة، فلما قال اللَّه جل ثناؤه: (فَرِهَانٌ مقبُوضَة) الآية.
والرهن غير الكتاب والشهادة، ثم قال: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) الآية، دلَّ كتاب اللَّه - ﷿ - على أن أمره بالكتاب، ثم الشهود، ثم الرهن إرشادًا؛ لا فرضًا عليهم؛ لأن قوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) الآية، إباحة لأنْ يأمن بعضهم بعضًا، فيدع الكتاب والشهود والرهن.
[ ١ / ٤٤٠ ]
قال الشَّافِعِي ﵀: وأحِبُّ الكتاب والشهود؛ لأنَّه إرشاد من الله.
ونظر للبائع والمشتري،. . . إلى أن قال: ومن تركه - الكتاب والشهود - فقد ترك حزمًا وأمرًا لم أحبّ تركه، من غير أن أزعم أنَّه محرم عليه بما وصفت من الآية بعدها.
وقال الشَّافِعِي ﵀: وقول اللَّه تعالى: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) الآية، يحتمل كل دين، ويحتمل السلف خاصة، وقد ذهب فيه ابن
عباس ﵄ إلى أنَّه في السلف.
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن قتادة، عن أبي حسان
الأعرج، عن ابن عباس ﵄ قال: أشهد أن السلف المضمون إلى
أجل مسمى، قد أحلّه اللَّه تعالى في كتابه، وأذن فيه، ثم قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) الآية.
قال الشَّافِعِي - ﵀ -: وإن كان كما قال ابن عباس في السلف، قلنا به في
كل دين قياسًا عليه؛ لأنَّه في معناه، والسلف جائز في سنة رسول الله - ﷺ -، والآثار، وما لا يختلف فيه أهل العلم علمته.
الأم (أيضًا): باب (الشهادة في الدين):
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله - ﷿: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُهُ) الآية والتي بعدها، وقال في سياقها: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) .
[ ١ / ٤٤١ ]
وذكر اللَّه شهود الدَّين فذكر فيهم النساء، وكان الدَّين أخذ مال من الشهود عليه، والأمر على ما فرق اللَّه بينه من الأحكام في الشهادات، أن ينظر كل ما شهد به على أحد، فكان لا يؤخذ منه بالشهادة نفسها مال، وكان إنَّما يلزم بها حق غير مال، أو شهد به
رجل، وكان لا يستحق به مالًا لنفسه، إنما يستحق به غير مال، مثل: الوصية والوكالة والقصاص والحد وما أشبهه، فلا يجوز فيه إلا شهادة الرجال، لا يجوز فيه امرأة، وينظر كل ما شهد به مما أخذ به المشهود له من المشهود عليه مالًا فتجوز فيه شهادة النساء مع الرجال؛ لأنه معنى الموضع الذي أجازهن اللَّه فيه، فيجوز قياسًا لا يختلف هذا القول، فلا يجوز غيره - واللَّه تعالى أعلم -.
ومن خالف هذا الأصل ترك عندي ما ينبغي أن يلزمه من معنى القرآن، ولا أعلم لأحد خالفه حجة فيه بقياس، ولا خبر لازم، وفي قول الله ﷿: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) الآية، دلالة على أن لا تجوز شهادة النساء حيث نجيزهن إلا مع رجل، ولا يجوز منهن إلا امرأتان فصاعدًا؛ لأن اللَّه - ﷿ - لم يسم منهن أقل من اثنتين، ولم يأمر بهن اللَّه إلا مع رجل.
الأم (أيضًا): باب (ما على من دُعيَ يشهد بشهادة قبل أن يسألَها):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه - ﷿ -: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) إلى قوله: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) الآية.
[ ١ / ٤٤٢ ]
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قول اللَّه - ﷿ -: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) الآية، دلالة على: أن عليه فيما علمه الله من الكتاب حقًا في منفعة المسلمين، ويحتمل ذلك الحق أن يكون كلما دُعي لحق كتبه لا بد، ويحتمل أن يكون عليه وعلى من هو في مثل حاله، أن يقوم منهم من يكفي حتى لا تكون الحقوق معطلة، لا يوجد لها في الابتداء من يقوم بكفايتها، والشهادة عليها
فيكون فرضًا لازمًا على الكفاية، فإذا قام بها من يكفي، أخرج من يتخلف من المأثم، والفضل للكافي على المتخلف، فإذا لم يقم به كان حرج جميع من دُعي إليه، فتخلف بلا عذر.
فلما احتمل هذين المعنيين معًا، وكان في سياق الآية: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) الآية، كان فيها كالدليل على: أنَّه نهى الشهداء المدعوون كلفم أن
يابوا، قال: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) الآية، فأشبه أن يكون يُحرج من ترك ذلك ضرارًا، وفرض القيام بها في الابتداء على الكفاية، وهذا يشبه والله تعالى أعلم ما وصفت من الجهاد، والجنائز، ورد السلام، وقد حفظت عن بعض أهل العلم قريبًا من هذا المعنى، ولم أحفظ خلافه عن أحد أذكره منهم.
الأم (أيضًا): باب (الحجر على البالغين):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: الحجر على البالغين في آيتين من كتاب الله
. وهما: قول الله ﵎: (فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) الآية.
[ ١ / ٤٤٣ ]
قال الشَّافِعِي ﵀: وإنَّما خاطب اللَّه - ﷿ - بفرائضه البالغين من الرجال والنساء، وجعل الإقرار له، فكان موجودًا في كتاب اللَّه - ﷿ -، أن أمر اللَّه تعالى الذي عليه الحق، أن يمل هو، وأن إملاءه: إقراره.
وهذا يدل على جواز الإقرار على من أقر به، ولا يأمر - والله أعلم -
أحدًا أن يمل ليقر إلا البالغ، وذلك أن إقرار غير البالغ، وصمته، وإنكاره سواء عند أهل العلم، فيما حفظت عنهم، ولا أعلمهم اختلفوا فيه.
ثم قال في المرء الذي عليه الحق أن يملَّ: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) الآية.
وأثبت الولاية على السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل هو، وأمر
وليه بالإملاء عليه، لأنَّه أقامه فيما لا غناء عنه من ماله مقامه.
قال الشَّافِعِي ﵀: قد قيل: والذي لا يستطيع أن يمل يحتمل أن يكون
المغلوب على عقله، وهو أشبه معانيه - والله أعلم -.
والآية الأخرى: قول الله ﵎: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وهكذا قلنا: نحن وهم في كل أمر يكمل بأمرين، أو
أمور، فإذا نقص واحد لم يقبل، فزعمنا أن شرط الله تعالى:
(مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية: عدلان، حران، مسلمان، فلو كان الرجلان حرين، مسلمين غير عدلين، أو عدلين غير حرين، أو عدلين حرين غير مسلمين، لم تجز شهادتهما حتى يستكملا الثلاث.
[ ١ / ٤٤٤ ]
الأم (أيضًا): تفريع ما يمنع من أهل الذمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فكيف لا تجيز شهادة - أهل الذمة
- بعضهم على بعض، وفي ذلك إبطال الحكم عنهم؟
قيل: قال اللَّه - ﷿ -: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)
وقال: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية، فلم يكونوا من رجالنا، ولا ممن نرضى من الشهداء، فلما وصف الشهود منا، دلَّ على أنَّه لا يجوز أن نقضي بشهادة شهود من غيرنا، لم يجز أن نقبل شهادة غير مسلم، أما إبطال حقوقهم فلم نبطلها، إلا إذا لم يأتنا ما يجوز فيه.
الأم (أيضًا): المدَّعي والمدعَى عليه:
قال الشَّافِعِي ﵀: والذي جاء عنه - عن رسول الله - ﷺ - من اليمين مع الشاهد، ليس يخالف حكم الكتاب.
قال: ومن أين؟
قلنا: قال الله ﷿: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)
الآية، فكان هذا محتملًا أن يكون: دلالة من اللَّه - ﷿ - على ما تتم به شهادة.
الأم (أيضًا): شهادة النساء:
قال الشَّافِعِي ﵀: لا تجوز شهادة النساء إلا في موضعين:
[ ١ / ٤٤٥ ]
الموضع الأول: في مال يجب للرجل على الرجل، فلا يجوز من
شهادتهن شيء، وإن كثرن، إلا ومعهن رجل شاهد، ولا يجوز منهن أقل من
اثنتين مع الرجل فصاعدًا، ولا نجيز اثنتين ويحلف معهما؛ لأن شرط الله - ﷿ - الذي أجازهما فيه مع شاهد، يشهد بمثل شهادتهما لغيره، قال الله ﷿: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) الآية.
أما الموضع الثاني: حيث لا يرى الرجل من عورات النساء، فإنهن يجزن
فيه منفردات، ولا يجوز منهن أقلّ من أربع إذا انفردن، قياسًا على حكم الله
﵎ فيهن؛ لأنه جعل اثنتين تقومان مع الرجل مقام الرجل، وجعل
الشهادة شاهدين أو شاهدًا وامرأتين.
فإن انفردن فمقام شاهدين أربع، وهكذا كان عطاء يقول: أخبرنا مسلم.
عن ابن جريج، عن عطاء.
الأم (أيضًا): الشهادة على الشهادة وكتاب القاضي:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية.
وليس الفاسق واحدًا من هذين، فمن قضى بشهادته، فقد خالف حكم اللَّه - ﷿ -، وعليه ردّ قضائه، وردّ شهادة العبد، إنَّما هو تأويل ليس ببئني، واتباع بعض أهل العلم.
[ ١ / ٤٤٦ ]
الأم (أيضًا): باب (في الدَّين):
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﷿: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)
الآية، وقال: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي نَجيح، عن
مجاهد أنه قال: عدلان، حران، مسلمان. ثم لم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن هذا معنى الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يقبل القاضي شهادة شاهد حتى يعرف
عدله، طعن فيه الخصم، أو لم يطعن، ولا تجوز شهادة الصبيان، بعضهم على بعض في الجراح ولا غيرها، قبل أن يتفرقوا، ولا بعد أن يتفرقوا؛ لأنَّهم ليسوا من شرط الله الذي شرطه في قوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية، وهذا قول ابن عباس ﵄، وخالفه ابن الزبير ﵄ وقال: نجيز شهادتهم إذا لم يتفرقوا.
وقول ابن عباس ﵄ أشبه بالقرآن، والقياس.
الأم (أيضًا): باب (إبطال الاستحسان):
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه - ﷿ -: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية، وقال (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية، فكان على الحكام، ألَّا يقبلوا إلا
[ ١ / ٤٤٧ ]
عدلًا في الظاهر، وكانت صفات العدل عندهم معروفة وقد وصفتها في غير هذا الموضع.
وقد يكون في الظاهر عدلًا، وسريرته غير عدل، ولكن الله لم يكلفهم ما لم
يجعل لهم السبيل إلى علمه، ولم يجعل لهم - إذ كان يمكن - إلاّ أن يردوا مَنْ ظَهَرَ منه خلاف العدل عندهم.
وقد يمكن أن يكون الذي ظهر منه خلاف العدل خيرًا عند اللَّه - ﷿ -، من الذي ظهر منه العدل، ولكن كُلفوا أن يجتهدوا على ما يعلمون من الظاهر الذي لم يؤتوا أكثر منه.
الأم (أيضًا): الطعام والشراب:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فهل للحَجْر في القرآن أصل يدلّ
عليه؟
قيل: نعم، - إن شاء اللَّه - قال الله - ﷿ -: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) الآية.
الأم (أيضًا): باب (السلف والمراد به: السلم):
قال الشَّافِعِي ﵀: وقول الله جلَ ذكره: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) الآية، يحتمل: ما وصفتُ من أن لا يأبى كل شاهد ابتدئ فيُدعى ليشهد.
ويحتمل: أن يكون فرضًا على من حضر الحق، أن يشهد منهم من فيه كفاية
للشهادة، فإذا شهدوا، أخرجوا غيرهم من المأثم، وإن ترك من حضر الشهادة خفت حرجهم، بل لا أشكَ فيه، وهذا أشبه معانيه به - واللَّه تعالى أعلم -.
[ ١ / ٤٤٨ ]
قال الشَّافِعِي ﵀: فأمّا من سبقت شهادته، بأن أشهِد أو علم حقًا
لمسلم، أو معاهد، فلا يسعه التخلف عن تأدية الشهادة متى طلبت منه في موضع مقطع الحق.
مختصر المزئي: كتاب (الوكالة):
قال الشَّافِعِي رعه الله: وقال تعالى (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) الآية، ووليه عند
الشَّافِعِي: هو القيم بماله.
مختصر المزني (أيضًا): باب (الدعوى والبينات):
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - سبحانه - في الدين: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) الآية، فكان حكمه في الدين يقبل بشاهدين، أو شاهد وامرأتين، ولا يقال لشيء من هذا مختلف، على أن بعضه ناسخ لبعض، ولكن يقال: مختلف على أن كل واحد منه غير صاحبه.
مختصر المزني (أيضًا): باب الخلاف في هذه الأحاديث:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) الآية، فقلت له: لست أعلم في هذه الآية
تحريم أنَّ يجوز أقل من شاهدين بحال.
[ ١ / ٤٤٩ ]
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشافعى - في القضايا والشهادات:
قال البيهقي ﵀: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو العباس
الأصم، أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ) الآية، يحتمل: أن يكون حتمًا على من دُعي لكتابِ، فإن
تركه تارك: كان عاصيًا.
ويحتمل: أن يكون على من حضر من الكُتَّاب، ألَّا يُعطلوا كتاب حق بين
رجلين، فإذا قام به واحد، أجزأ عنهم.
آداب الشَّافِعِي: ما ذكر من مناظرة الشَّافِعِي لمحمد بن الحسن وغيره:
أخبرنا أبو الحسن، أخبرنا أبو محمد قال: أخبرني أبي، حدثنا محمد بن
عبد الله بن عبد الحكم قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: حضرت مجلسًا فيه جماعة: فيهم رجل يقال له: سفبان
ابن سَخبَان فقلت ليحيى بن البناء، وكان حاضرًا، كيف فِقهُ هذا؟
فقال لي: هو حسن الإشارة بالأصابع، ثم قال لي: تحبُّ أن تسمعه؟
قلت: نعم.
فقال: يا أبا فلان، رأيت شيئًا: أعجَبَ من إخواننا - من أهل المدينة - في
قضاياهم باليمين مع الشاهد؛ إنّ اللَّه - ﷿ - أمر بشاهدين، فنص على القضية، ثم قال: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) ثم أكد
[ ١ / ٤٥٠ ]
ذلك فقال: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) الآية، فبين الله - ﷿ -: أنَّه لا تتم الشهادة إلا برجلين، وامرأتين فقالوا: يُقضى برجل واحد ويمين صاحب الحق؟!
فقال: نعم، إنهم يقولون: من هذا ما هو خلاف القرآن.
فقال له يحيى: احتجوا فقالوا: إن رسول الله - ﷺ - أعلم بمعنى كتاب اللَّه، وقد رووا عنه أنه قضى باليمين مع الشاهد، ورووا ذلك عن علي بن أبي طالب - ﵁ -. ..
فقال ابن سخبان: لا يُقبل هذا من الرواة، وهو خلاف القرآن.
آداب الشَّافِعِي (أيضًا): قول الشَّافِعِي في أصول العلم:
أخبرنا أبو محمد، حدثنا أبي، حدثنا يونس قال:
سمعت الشَّافِعِي ﵀: يعتب على من يقول: لا يقاس المطلق - من
الكتاب - على المنصوص وقال: يلزم من قال هذا: أن يجيز شهادة العبيد
والسفهاء؛ لأن اللَّه - ﷿ - قال: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية، فَقَيَّد.
وقال في موضع آخر: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) الآية، فأطْلَق.
ولكن المطلق يقاس على المنصوص، مثل هذا، ولا يجوز إلا العَدلُ.
آداب الشَّافِعِي (أيضًا): باب (في الأحكام):
أخبرنا أبو محمد قال: أخبرني أبي قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى قال:
[ ١ / ٤٥١ ]
قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله - ﷿ -: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) الآية، إنما معناه: أن يُقِر بالحق، ليس معناه: أن يُمِل، وقوله: (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) الآية، هاهنا
ثبتت الولاية، ثم نسخ هذا كلّه، وأخِبرَ: أنه اختيار وليس بفرض، بقوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) الآية.
فائدتان:
الأولى: ومن طريف ما يحكى عن أمّ الشَّافِعِي رحمهما اللَّه من الحذق.
أنها شهدت عند قاضي مكة هي وأخرى، مع رجل، فأراد القاضي أن يفرق
بين المرأتين، فقالت له أم الشَّافِعِي رحمهما اللَّه: ليس لك ذلك، لأن اللَّه - ﷿ - يقول: (ان تَضِل إِخدَنهُمَا فَتُذَئحِرَ إِخدَنهُمَا اكاخرَى) الآية. فرجع القاضي إليها في ذلك - وقد علق ابن حجر على ذلك بقوله: هذا فرع غريب واستنباط قوي.
الثانية: وقال الأزهري ﵀: وقوله - ﷿ -: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) الآية، فيه قولان:
١ - قال بعضهم: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) الآية، لا يُضارر، أي: لا يكتب إلا الحق، ولا يشهد الشاهد إلا بالحق.
[ ١ / ٤٥٢ ]