حِذْرَكُمْ) أي: لا بد من التيقظ وعدم الغفلة في أي صفة وحال كنتم (إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) وعد للمؤمنين بالنصر وإشارة على أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب في الأمور التيقظ (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ) فرغتم من صلاة الخوف (فَاذْكُرُوا الله قِيَامًا وَقُعودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) أي: في سائر أحوالكم وكثرة الذكر عقب صلاة الخوف آكد لما فيها من التخفيف ومن الرخصة في الذهاب والإياب، وغيرها قيل: معناه إذا أردتم الصلاة واشتد الخوف فصلوها كيف ما أمكن (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) سكنت جآشكم من الخوف (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) عدلوا أركانها واحفظوا شرائطها (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) مفروضًا محدودًا أو منجما كلما مضى وقت جاء وقت (وَلَا تَهِنُوا فِي
ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) في طلب قتال الكفار (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ) من الحرج (فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ) فضرر القتال لا يختص بكم (وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ) ولكم هذا المزيد رجاء المثوبة والنصر والتأييد، فينبغي أن تكونوا أصبر على الحرب وأرغب (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا) بضمائركم (حَكِيمًا) فيما حكم.
* * *
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا
[ ١ / ٤٠٢ ]
أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)
* * *
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ) في الحكم لا بالتعدي فيه (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ) بما عرفك وأوحى به إليك نزلت في طعمة بن أبيرق سرق درعًا فجاء صاحبها إلى رسول الله ﷺ وقال: إن طعمة سرق درعي فلما رأى السارق ذلك ألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته: إني ألقيتها في بيت فلان فانطلقوا ليلًا إلى نبى الله ﷺ وقالوا: إن صاحبنا بريء وسارقها فلان فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك فقام رسول الله ﷺ فعذره وقيل: هم أن يبرئه فنزلت (وَلاَ تَكن لِّلْخَائِنِينَ) لأجلهم (خَصِيمًا) للبراء
[ ١ / ٤٠٣ ]
(وَاسْتَغْفرِ اللًهَ) من موافقتهم في نسبة السرقة إلى البرىء أو من ذلك الهم والقصد (إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) لمن استغفر (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانونَ أَنْفُسَهُمْ) يخونونها بالمعصية، لأن الضرر راجع إليهم أي: لا تجادل عن كل من خان (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا) مبالغًا في الخيانة (أَثِيمًا) منهمكًا في الإثم (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ) يسترون سرقتهم (وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ) وهو أحق أن يستحيي ويخاف (وَهُوَ مَعَهُمْ) لا يخفى عليه شيء فطريق إخفاء شيء عنه عدم فعله (إِذْ يُبَيِّتُونَ) يدبرون وأصله أن يكون بالليل (مَا لاَ يَرْضَى) الله (مِنَ القَوْلِ) رمي البرىء وشهادة الزور (وَكَانَ اللهُ بمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) فيجازيهم. (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ) مبتدأ وخبر (جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ) خاصمتم عن طعمة وقومه. جملة هي مبينة لوقوع أولاء خبرًا، أو صلته عند من يقول: إنه موصول (في الحَيَاةِ الدُّنْيَا فمَن يُجَادِلُ الله عَنْهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ) إذا أخذهم بعذابه (أَم مَّن يَكُون عَلَيْهِمْ وَكِيلًا)
[ ١ / ٤٠٤ ]