وقيل: استفهام بمعنى الأمر (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا): أعرضوا. (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ): وقد بلغت وليس عليك هداهم. (وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ): وعد ووعيد.
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ
[ ١ / ٢٣١ ]
نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ) كأهل الكتاب كفروا بنعت محمد - ﷺ - وآية الرجم. (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ): كبني إسرائيل قتلوا أربعين نبيًّا في ساعة من أول النهار وفعل آباؤهم فعلهم، وذلك لأن الأنبياء على طريقتهم راضون عن فعلهم. (بِغيرِ حَقٍّ): أي: عندهم أيضًا وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى.
(وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ): بالعدل (مِنَ النَّاسِ): قام مائة وسبعون رجلًا من بني إسرائيل أمروا على من قتل الأنبياء بالمعروف فقتلوا في آخر النهار.
(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) اعلم أن من لم يجوز الفاء في خبر إن قال: خبره " أولئك الذين " نحو قولك زيد فافهم رجل صالح.
(أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ): بطلت. (فِي الدُّنْيَا) لأنها لم تحقن دماءهم وأموالهم (وَالْآخِرَةِ): ما استحقوا ثوابًا (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ): ليدفعوا عنهم العذاب.
[ ١ / ٢٣٢ ]
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ): كاليهود ومن للتبعيض. (يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ): التوراة أو القرآن. (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) قيل: نزلت في الرجم سألوا محمدًا ﵊ حد المحصن فحكم بالرجم فما صدقوه فطلب التوراة، فلما أتوا بها ستروا آية الرجم بأكفهم، وابن سلام (١) رفع كفهم عنها وقرأها على اليهود فغضبوا وانصرفوا، أو نزلت لما قالوا: كان إبراهيم يهوديًا. فلما قيل لهم هلموا التوراة فأبوا، وعن ابن عباس وقتادة إنهم دعوا إلى القرآن فأعرضوا عنه. (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ)، ثم لاستبعاد توليهم مع العلم. (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) قوم عادتهم الإعراض أو معرضون عن كتابهم. (ذَلِكَ) أي: الإعراض. (بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ): قلائل، أربعين يومًا بعدد أيام عبادة العجل أو سبعة أيام بإزاء كل ألف سنة يوم أي: الإعراض بسبب تسهيلهم عذاب الله (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) كقولهم: " لن تمسنا النار " وأن الله وعد يعقوب أن لا يعذب ذريته. (فَكَيْفَ): يكون حالهم (إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ): لجزاء يوم. (لا رَيْبَ فِيهِ): لا شك في وقوعه مع أنَّهم كذبوا رسلهم، وقتلوهم، وافتروا. (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) أي: جزاءه. (وَهُمْ) أي: كل نفس لأنه في معنى كل إنسان. (لَا يُظْلَمُونَ) بنقصان الحسنات وتضعيف السيئات. (قُلِ اللهُمَّ): يا الله. (مَالِكَ
المُلْكِ): لك الملك كله وهو نداء ثانٍ عند من يجعل الميم مانعا من الوصفية. (تؤْتِي
_________________
(١) في الأصل " ابن السلام ".
[ ١ / ٢٣٣ ]
الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ): كمحمد وأصحابه أو الملك بمعنى النبوة. (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ): أن تنزع منه كاليهود، وصناديد قريش (١). (وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ): إذلاله كاليهود والمشركين. (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) اكتفى بالخير، لأنه المرغب فيه أو لأن الكلام في الملك والنبوة وهما خير، أو لأن الخير مقضى بالذات إذ ما من شر إلا وفيه أنواع الخير أو لمراعاة الأدب في الخطاب وتقديم الخبر للحصر. (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ): من الخير والشر. (قَدِيرٌ)، وهذه الآية إرشاد إلى شكر نعمه، من تحويل الملك والنبوة والعز للمسلمين، والذل لليهود، وقيل: نرلت لما فتح مكة ووعد رسول الله ﷺ فتح ملك فارس والروم وقالت اليهود والمنافقون: هيهات.
(تُولِجُ) تدخل أي: بالتعقيب أو بالزيادة والنقص. (اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ): كالحيوان من النطف والنطف منه، والبيض من الطير وعكسه أو كالمؤمن من الكافر وعكسه.
(وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ): فمن قدر على مثل ذلك قدر على كل شيء. (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ): نهوا عن موالاتهم بصداقة، أو قرابة أو غيرهما (مِن دُونِ الُمؤْمِنِينَ) إشارة إلى أنَّهم الحقيق بالمحبة. (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ): اتخاذهم أولياء بأن يظهر عليهم أسرار المسلمين. (فَلَيْسَ مِنَ اللهِ): من دين الله
_________________
(١) في الأصل " القريش ".
[ ١ / ٢٣٤ ]
وولايته. (فِي شَيْءٍ): فإن محبتي متعاديين لا تجتمعان. (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي: إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب أن يتقى فيكون تقاة مفعولًا به وجاز أن تضمن تتقوا معنى تحذروا فيكون معدى بـ من، وتقاة مصدر نهوا عن الموالاة في جميع الأوقات إلا وقت المخافة فإنه جازت المداراة حينئذ باللسان. (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) يعني عن عقاب يصدر عن نفسه، وهذا غاية التحذير كما يقال: احذر غضب السلطان نفسه، (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) فاحذروا كل الحذر.
(قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ): من ولايتهم وغيرها، (أَوْ تُبْدُوهُ) قيل: إن تخفوا ما في قلوبكم من تكذيب رسول الله ﷺ أو تظهروه بحربه، (يَعْلَمْهُ اللهُ): يحفظه الله حتى يجازيكم (وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ): فكيف لا يعلم سركم وجهركم؟! (وَاللهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيقدر على عقوبة متخذي الولاية لهم كأنه قال: " يحذركم نفسه " فإنه متصف بعلم ذاتي محيط بجميع الكون وقدرة ذاتية تعم المقدورات. (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) أي: جزاء ما عملت أو صحائفه، وعامل يوم " تود " أي: تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم أمدًا يوم تجد الخير والشر حاضرين عنده، ولو للتمني وجملة " لو أن بينها " كالبيان للتمني أو تقديره: اذكر يوم تجد، و(تَوَدُّ) حال من فاعل عملت أو ما عملت مبتدأ لا عطف على ما عملت
[ ١ / ٢٣٥ ]