(لَآيَةً لَكُمْ): علامة لصدقي في اصطفائه، (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ): مصدقين، وهذا من تتمة كلام ذلك النبي ﵇، وجاز أن يكون ابتداء خطاب من الله.
* * *
(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)
* * *
(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ)، انفصل بهم عن بلده لقتال العمالقة، وكانوا ثمانين ألفًا، (قَالَ)، لهم طالوت، (إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ): يعاملكم معاملة المختبر، (بنَهَرٍ): هو بين الأردن وفلسطين، (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ)، أي: شرب بفمه من النهر، (فَلَيْسَ
[ ١ / ١٨١ ]
مِنِّي): ليس من أشياعي فلا يصحبني، (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي)، من طعم الشيء، إذا ذاقه مأكولًا أو مشروبًا، (إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)، استثناء منقطع من قوله فمن شرب، (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)، أي: وقع أكثرهم في النهر وكرعوا إلا قليلًا، أو أفرطوا إلا قليلًا، فإنه أيام الحر فكان من اغترف روي، ومن شرب منه لم يرو، والقليل ثلاث مائة وبضعة عشر، أو أربعة آلاف من ثمانين ألفًا، (فَلَمَّا جَاوَزَهُ)، أي: النهر، (هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)، أي: القليل الذي لم يخالفوه، (قَالُوا): بعضهم لبعض، أو ضمير قالوا للذين خالفوا وشربوا، (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ): لكثرتهم وقلتنا، (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ): يعلمون، (أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ): تيقنوا لقاءه وثوابه، وهم العلماء من القليل، ومن قال ضمير قالوا للذين خالفوا، يقول: المراد من الذين يظنون، هم القليل بجملتهم، فهم والكثيرون تقاولوا بذلك والنهر بينهما، (كَمْ مِنْ فِئَةٍ): فرقة، وكم خبرية، أو استفهامية، ومن زائدة أو مبينة، (قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ): بحكمه وأمره، (وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ): بالنصر والإثابة، (وَلَمَّا بَرَزُوا): ظهروا ودنوا، (لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ): أصبب وأنزل، (عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا): بتقوية قلوبنا، (وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكافِرِينَ فَهَزَمُوهُم): كسروهم، (بِإِذْنِ اللهِ): بقضائه ونصره، (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ)، كان في عسكر طالوت، وقد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشركه في أمره ونعمته، فوفى بوعده، ثم آل الأمر إلى داود، (وَآتاهُ اللهُ الُملْكَ): ملك بني إسرائيل، (وَالْحِكْمَةَ): النبوة، (وَعَلَّمَه مِمَّا يَشَاءُ)، من صنعة الدروع ومنطق الطير، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ)،
[ ١ / ١٨٢ ]
كما دفع العمالقة بجنود طالوت، (لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ): بغلبة الكفار، أو بشؤمهم، (وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ): فيدفع عنهم ببعضهم بعضًا، (تِلْكَ)، إشارة إلى حديث الألوف، والتابوت، وطالوت وجالوت، (آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ): بالوجه المطابق، (وَإِنَّكَ): يا محمد، (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ): ومنها يعلم رسالتك، حيث تخبر بها عن تلك المغيبات من غير أن تقرأ وتسمع، أو إنك منهم، فلابد أن تصبر كما صبروا، (تِلْكَ الرُّسُلُ): المذكورة قصصهم، أو اللام للاستغراق، (فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، بأن خصصناه بمنقبة، وإن استووا في
[ ١ / ١٨٣ ]
القيام بالرسالة، (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ) هو موسى كلمه في الطور، قيل: هو ومحمد عليهما الصلاة والسلام كلمه ليلة المعراج، (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)، أي: محمدًا ﵊، فخواصه أكثر، وأبهمه لأنه متعين الرجحان، وقيل: إبراهيم، وقيل: إدريس، وقيل أولو العزم، (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ): الحجج القواطع، خصه بالذكر لإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ): جبريل ﵇، كان يسير معه حيث سار، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ)، هداية الناس واتفاقهم، (مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ): من بعد
[ ١ / ١٨٤ ]