باء الجرِّ تأتي لعدة معاني (^١)، اقتصر الأكثر هنا على معنيين، وذكروا أن غيرها لا يأتي إلا بتعسف:
أحدهما: الاستعانة.
الثاني: المصاحبة.
قالوا ــ والعبارة للصبَّان في "رسالة البسملة" ــ: "وباء الاستعانة هي الداخلة على واسطة الفعل المذكور معها التي يتوقف وجوده عليها، كما في كتبت بالقلم، وتسمى باء الآلة وباء المصاحبة هي التي يصلح موضعها "مع" ويغني عنها وعن مصحوبها الحال، كما في ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨] أي مع سلام، أو مسلِّمًا" (^٢).
أقول: أما باء الاستعانة، فظاهر عباراتهم اختصاصها بالدخول على الآلات، نحو كتبتُ بالقلم، ونَجَرتُ بالقَدُوم، وخِطْتُ بالإبرة؛ ولكن قد يُنَزَّل ما ليس بآلة منزلةَ الآلة. وفي ذلك نظر ليس هذا موضعه، وربما يأتي شيء منه عند تقرير المعنى، إن شاء الله تعالى.
وأما المصاحبة، فهو معنى واضح، ولكن الأولى في تفسير ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ أن يقال: اهبط معك سلام؛ [٤٣/أ] فإنَّ كلمة "مع" تُشعر بأنَّ ما تضاف إليه متبوع، تقول: حج الخادم مع سيَّده، ولا يحسن أن يقال: حجَّ
_________________
(١) كذا في الأصل بثبوت الياء.
(٢) "الرسالة الكبرى" للصبان (٨ - ٩).
[ ٧ / ١٠ ]
السيِّدُ مع خادمه، بل يقال: ومعه خادمه. والمراد: التبعية في المعنى المقصود، وقد يكون التابع أشرف، كما في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] فإنَّ الإنسان هو الأصل في التنقل والتحول، وعلمُ الله تعالى وحفظُه تبع له في ذلك، يعني: أنهما تصحبانه حيثما توجَّهَ.
وأما باء المصاحبة، فعلى عكس ذلك، تقول: خرج زيد بسلاحه، فيحسن أن يقدَّر: معه سلاحه، ومع ذلك فإنما يحصل الاتفاق في أصل المعنى كما لا يخفى.
وأما قوله: "ويغني عنها وعن مصحوبها الحال"، فالمراد كما يوضحُه المثال: حال مشتقة من المجرور. ولكن قد لا يتأتى ذلك، إما بأن لا يمكن الاشتقاق، كما في قولك: خرج العالم بكتبه، أو يمكن ولكن يتغير المعنى، كأن تقول: خرج بعمامته في يده؛ ففي هاتين الصورتين يحتاج إلى تقدير حال تغني عن الباء فقط. والأكثر أن تشتق من لفظ الصحبة، كأن يقال: مستصحبًا كتبه، ومستصحبًا عمامته.
إذا علمت ذلك فحقُّ تقدير الحال في التسمية أن يقال: "مسميًا"، إلا أن يتغير المعنى. وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
[ ٧ / ١١ ]