معنى "باسم الله"
قد عرفت أن المنصور عند المتأخرين في الباء قولان:
أحدهما: أنها للاستعانة.
والآخر: أنها للمصاحبة.
فأما على الاستعانة، فقالوا في تسمية الآكل مثلًا: إن التقدير: باسم الله آكل، وإنها على وزان: "بالقلم أكتب". فاسم الله بمنزلة القلم، أي أنه يتوقف وجود الأكل عليه، كما يتوقف وجود الكتابة على القلم.
قالوا: والمتوقف في الحقيقة هو سلامة الأكل عن النقصان، على ما في الحديث: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أجذم" (^١). ومعنى "أجذم": ناقص البركة، ولكن نُزِّل الأجذمُ منزلةَ المعدوم، فأقيم توقف سلامة الفعل من النقصان مقام توقف وجوده.
وفيه: أن إفادة السلامة ليس (^٢) هي أثرًا من آثار الاسم من حيث هو، بل هي أثر بركة يجعلها الله ﷿ لذاكره إذا شاء.
_________________
(١) بهذا اللفظ أخرجه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (١٢١٩) مرفوعًا من حديث أبي هريرة. وهو ضعيف، والمحفوظ لفظ: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله " مع كونه مرسلًا. انظر: "تخريج الكشاف" للزيلعي (١/ ٢٤) و"التحجيل" للطريفي (ص ٣).
(٢) كذا في الأصل.
[ ٧ / ٤١ ]
فإن قيل: وكذلك الكتابة ليست أثرًا للقلم من حيث هو، وإنما توجد بأخذه باليد وغمسه في المداد، ثم إمراره على الكاغد مثلًا على الوجه المخصوص، فكما لا يقدح هذا هناك، فلا يقدح ما ذكرتم هنا.
قلنا: الفرق واضح، وهو أن الفعل في "كتبت بالقلم" ينبئ عن بقية الأمور، بخلاف الفعل في قوله: "باسم الله آكل".
ولو سلم ما ذكرتم لم يغن عن الاحتياج إلى توضيح المعنى، فإن المعنى في قولك: "كتبت بالقلم" واضح، ولا كذلك في "باسم الله آكل". فلا بد لتوضيح المعنى من أن يقال: أصل الكلام: ببركة ذكر اسم الله التي أرجو أن يمنَّ الله عليَّ بها أدفع النقصان عن أكلي.
وأما على المصاحبة، فقد عرفت قولهم: "إن باء المصاحبة هي التي يصلح موضعها "مع"، ويغني عنها وعن مصحوبها الحال".
فيقال في "باسم الله آكل": مع اسم الله آكل، ومسمِّيًا اللهَ آكل. ولكن لما كانت التسمية تطلق على وضع الاسم، وعلى ذكره، والمقصود هنا الثاني، كان الواضح أن يقال في تقدير الحال: ذاكرًا اسم الله آكل.
وقد قالوا في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤١]: "الباء للملابسة، والملابسة هي المصاحبة، ولما كانت ملابسة اسم الله عز اسمه بذكره، قالوا: المعنى: اركبوا مسمِّين الله" (^١).
لكن يتراءى هنا فرق ما بين قولنا: "مع اسم اللهَ آكل"، وقولنا: "مسمِّيًا الله آكل"، أو "ذاكرًا اسم الله آكل". وقد يوفَّق بينهما بأن المراد بمعية اسم الله
_________________
(١) "روح المعاني" (١٢/ ٥٦).
[ ٧ / ٤٢ ]
معيَّةُ ذكره، كما تقدم عنهم، فالمعنى: "مع ذكر اسم الله آكل".
لكنهم عدلوا عن هذا، وقالوا: المعنى: "مع اسم الله آكل"، أو "مصاحبًا اسمَ الله آكل". فيقال لهم: وما معنى معية اسم الله ومصاحبته؟
فإن قالوا: بذكره، كما قالوه في ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤١] فقد عاد الأمر إلى: "مع ذكر اسم الله"، أو "ذاكرًا اسم الله". وهو الموافق لقولهم في باء المصاحبة: يغني عنها وعن مصحوبها الحال.
وإن قالوا: معية بركته ومصاحبتها.
قلنا: إن أردتم البركة الموعود بها في حديث: "كل أمر ذي بال " ونحوه، فهي بركة يجعلها الله تعالى إذا شاء لمن ذكر اسمه.
وعلى هذا، فينبغي أن يتركوا التقدير على أصله: ذاكرًا اسم الله آكل، [٤٧/ب] ويقولوا: المعنى: ذاكرًا اسمَ الله رجاءَ البركة الموعود بها. أو يقولوا: المعنى: مستصحبًا بركة ذكر اسم الله آكل، ومعنى "مستصحبًا": سائلًا الصحبة، فكأنه يقول: سائلًا الله تعالى أن تصحبني بركة ذكر اسمه.
وقد قدَّر ابن عبد السلام التسمية بقوله: "أتبرك بذكر اسم الله" (^١)، وهو يلاقي ما ذكرنا.
وزعم ابن جرير أن الاسم هنا بمعنى التسمية، وأن المعنى: أقرأ بتسمية الله (^٢). وقد عرفت أن المراد من التسمية ذكر الاسم، فيصير التقدير: أقرأ
_________________
(١) "مجاز القرآن" (١٩٧).
(٢) "تفسير الطبري" (شاكر ١/ ١١٥ - ١١٨).
[ ٧ / ٤٣ ]
بذكر اسم الله، وهو يقارب ما ذكرنا. وزعم أن ذلك معنى ما رواه عن ابن عباس (^١)، والمقصود هنا: إنما هو الموافقة على تقدير "ذكر".
وإن أردتم بركة اسم الله مطلقًا، وقلتم: إنَّ لأسماء الله ﷿ بركةً يمنُّ اللهُ بها على من يشاء، ممن ذكر الأسماء اسمًا اسمًا، وممن لم يذكرها، فيصح أن يقول الداعي: اللهم أصحِبْني بركةَ أسمائك.
قلنا: هذا يحتاج إلى إثبات من الشريعة، والذي نعرفه أن بركة أسماء الله ﷿ إنما يُتوسَّلُ إلى حصولها بذكر الأسماء على الوجه المشروع. فإن ثبت ما قلتم، بقي التقدير على هذا المعنى: "مستصحِبًا بركةَ اسم الله"، أي سائلًا الله أن يصحبني بركة أسمائه.
ثم نقول لهم: ما الذي اضطركم إلى العدول عن تقدير المعنى بأن تقولوا: "مسمِّيًا اللهَ آكل"، أي: "ذاكرًا اسمَ الله آكل" على ما هو الأصل في باء المصاحبة، وقد قلتم به في قوله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ (^٢) [هود: ٤١]؟
وعسى أن يكون جوابكم أن المعنى يختل بذلك.
أولًا: لأن المسمِّي عن نفسه يقول: "باسم الله" على سبيل الدعاء والتبرك، وتقدير: "مسمِّيًا الله آكل"، أو "ذاكرًا اسم الله آكل"، ليس فيه إلا الإخبار عن نفسه بأنه يأكل ذاكرًا اسم الله.
_________________
(١) وهو قوله: "اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله".
(٢) "فيها" ساقط من الأصل سهوًا.
[ ٧ / ٤٤ ]
ثانيًا: بأنه لا يعرف في الأدعية والأذكار الشرعية نظير لهذا، وعامة الأدعية والأذكار الشرعية كل منها يكون لفظه بنفسه وحده، أو مع ما تدلُّ القرائن على تقديره دالًّا على التعظيم أو السؤال.
وقد قال بعض الأجِلَّة (^١): إن ذكر كلمة الجلالة أو تكرارها ليس بذكر شرعي، لأن الاسم وحده لا يفيد معنىً.
ثالثًا: هذا الخبر ــ وهو "ذاكرًا اسم الله" ــ يحتاج إلى ما يصدق عليه، والغالب أن المسمّي يقتصر من ذكر الله على قوله "باسم الله"، فإذا جعلناها خبرًا فأين المخبَر عنه. وإيضاحه: أن قول القائل: "ذاكرًا (^٢) اسم الله آكل" إنما يكون صادقًا إذا وقع منه حال أكله ذكر لاسم الله غير هذه الجملة، إذ لا يمكن أن يكون الجملة الواحدة مخبرًا بها عن نفسها، أي هي الخبر، وهي المخبر عنه.
[٤٨/أ] والجواب عن الأمر الأول: أن "باسم الله" على معنى "ذاكرًا اسم الله" أقيمت عند الشروع في الأمور مقام جميع الأذكار والأدعية التي تناسب الحال.
ونوضح ذلك بمثال: وهو أن يجتمع أربعة، ويقدَّم لكل منهم طعامه، فأما أحدهم فنصراني شرع يذكر اسم يسوع، شاكرًا له على أن رزقه الطعام بزعمه، ويتضرع إليه أن يهنئه أكله، وأن يبارك له فيه، وأن يصرف عنه ضرَّه، وأن ينفعه به، إلى غير ذلك من المطالب.
_________________
(١) لعل المقصود شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر كلامه في "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٢٢٦)، وانظر: "طريق الهجرتين" لابن القيم (٧٣٩).
(٢) في الأصل: "ذاكر".
[ ٧ / ٤٥ ]
وأما الثاني، فشرع يذكر اسم الله، واسم غيره، بنحو ذلك.
وأما الثالث، فشرع يأكل بدون ذكر.
وأما الرابع، فموحِّد قد رأى وسمع صنيع أولئك الثلاثة، وحضر طعامه،
وهو على عجل، فقال: باسم الله، أي: ذاكرًا اسم الله آكل، أي: أذكر اسم الله لهذه المطالب التي تقدمت ونحوها، ولا آكل بغير ذكر اسمه، ولا بذكر اسم غيره، ولا دونه ولا معه.
غاية الأمر أنك قد تتردد في قوله: "أذكر اسم الله لجميع المطالب المناسبة للحال"، هل يقوم هذا مقام التفصيل، كأن يقول: اللهم لك الحمد على ما رزقتني، اللهم أعذني من الشيطان، اللهم هنئني طعامي، اللهم بارك لي فيه، اللهم اصرف عني ضرره، اللهم انفعني به، اللهم اللهم
فنقول: لا بدع في أن يرحم الله عباده، ويخفف عنهم، فيقيم تلك الكلمة مقام تلك الكلمات كلها، وهذا هو الواقع، ولكن بلفظ "باسم الله".
وبهذا عرف الجواب عن الأمر الثاني، فقد عرف من قرائن الحال، وقصد الشارع، وما ينويه المسلم= ما يتم به الكلام، كما تقولون أنتم: إن تقدير المعنى: مصاحبًا اسم الله، وإن القرينة تدل على التبرك.
وأما الأمر الثالث؛ فقد علمت أنّ قولنا: "ذاكرًا اسم الله" قد صار من حيث الدلالة على الدعاء شبيهًا بقولهم: "متبرِّكًا باسم الله"، بل أوضح منه في ذلك وأجمع.
وقد اعترض على تقديرهم بنحو ما ذكر في الوجه الثالث، فأجاب بعضهم بأنَّ ذلك خبر عن نفسه "قياسًا على ما قيل في قولك: أتكلم أنه يجوز أن يكون خبرًا عن تكلم حاصل بهذا القول".
[ ٧ / ٤٦ ]
والذي ارتضاه الصبَّان، وقرره البناني في "حواشيه على شرح جمع الجوامع" (^١): أن قوله: "باسم الله أو متبركًا باسم الله" إنشاءٌ. قال البناني:
"لصدق حد الإنشاء عليه، هو ما يتحقق مدلوله بذكر دالِّه فقط والتبرك لا يتحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه".
وقد نظر فيه بعضهم بما اشتهر أن الحال لا تكون إنشاء.
والجواب: أنّ ذلك في الجملة الحالية، والإنشاء اللفظي، أي: أنَّ الجملة الحالية لا تكون إنشائية لفظًا، فلا يقع فعل الأمر مثلًا، أو الفعل المنقول إلى الإنشاء لإيقاع العقود مثل بعت وطلَّقت حالًا.
فأما الإنشاء المعنوي فقط، فلا مانع من وقوعه حالًا مفردة، كقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [غافر: ١٤]، وجملة كقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].
ومن الأول قوله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤١]، وقد قدروه: "مسمِّين الله"، كما علمت، والمعنى: أمرهم بالتسمية عند الركوب.
وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى.
_________________
(١) طبعة دار الفكر (١/ ٣).
[ ٧ / ٤٧ ]