[٤٨/ب] الفصل السادس
إن قيل: لا يزال في النفس من كلمة "اسم" شيء، إذ قد يقال: فلو قيل: "بالله" على معنى "ذاكرًا الله"، لكان أخصر.
والجواب: أنه لو قيل: "بالله" لما ظهر ذاك المعنى، بل يكون الظاهر حينئذٍ أن المعنى: بقدرة الله آكل.
فإن قيل: قد يدعى دلالة القرائن على أن المعنى: "بذكر الله".
قلت: ليست القرائن بغاية القوة حتى تكفي لدفع ذاك المعنى الظاهر: "بقدرة الله آكل"، وإنما كانت كافية في "باسم الله" بتقدير (^١) احتمال ذاك المعنى، أعني بتقدير القدرة.
فإن قيل: فلم لم يقل: "بذكر الله"؟
قلت: لو قيل ذلك لكان على تقدير: "بذكر اسم الله"، لأن الذكر هنا هو اللساني، وما دام على أصله، فإنما يقع على الاسم، إلا أنه كثيرًا ما يحذف الاسم لظهور المعنى، أو يضمن الذكر معنى المدح والتعظيم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أو الذم ونحوه كما في قوله تعالى فيما قصه عن قوم إبراهيم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] أي: يذكر الأصنام، أي: يتوعدها أو يذمّها.
وقد جاء في القرآن الإثبات وعدمه، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ
_________________
(١) في الأصل: "تقدير".
[ ٧ / ٤٨ ]
تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥]. وقال ﷿: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١]. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
فإن قيل: فكلٌّ من لفظ "ذكر"، ولفظ "اسم" إذا اقتصر عليه، اقتضى تقدير الآخر، فلماذا أوثر "باسم الله" على "بذكر الله" هنا، وعكس في مواضع مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؟
قلت: لكل مقام مقال، فقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ المراد بالذكر: الصلاة والخطبة، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، والجزء هو الذكر، لا نفس الاسم.
والمقصود في التسمية على الأكل ونحوه: هو أن يقع من الإنسان كلام هو في نفسه ذكر، و"باسم الله" أدلُّ على ذلك من "بذكر الله"، ولأنه دار الأمر بين أن يترك لفظ "ذكر" أو أن يترك لفظ "اسم"، والأولى في مثل هذا حذف "ذكر".
أما أولًا: فلأن الأصل "ذكر اسم الله" والمعروف في الحذف هو حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. وعليه، يبقى لفظ الجلالة على أصله. ولو قيل: "بذكر الله" لكان المعنى أن لفظ "اسم" حذف، وأقيم لفظ الجلالة مقامه، والتنازع إنما كان بين لفظي ذكر واسم؛ فلأن يحذف أحدهما ويقام الآخر مقامه أولى من أن يحذف أحدهما ويقام لفظ ثالث مقامه.
وأما ثانيًا: فلأن ذكر الاسم ينحل إلى شيء من الإنسان، وهو الذكر، وشيء لله ﷿، وهو الاسم، فاطراح الأول أولى.
[ ٧ / ٤٩ ]
وأما ثالثًا: فلأن باء المصاحبة في "باسم الله" بمنزلة العوض عن لفظ "ذكر"، لما مر أن التقدير يكون: "مسميًا الله"، والتسمية هنا هي ذكر الاسم، فيكون التقدير: "ذاكرًا اسم الله".
ولو قيل: "بذكر الله" لما كان هناك ما يكون بمنزلة العوض عن لفظ "اسم".
وأما رابعًا: فلأنه
_________________
(١) كما تقدم يقصد بالتسمية الرد على المشركين، فلو قيل: "بذكر الله" لكان المتبادر الرد على من يذكر غير الله تعالى، أي من الذوات، فلا يظهر منه الرد على من يذكر من المشركين أسماء لا مسمى لها، كما تقدم، بخلاف "باسم الله" فإن فيها إشارة إلى ذلك. ولنكتف بهذا القدر، فإن أمثال هذه الأسئلة لا نهاية لها، ولا ينبغي التشاغل بها إلا بما هو كالأنموذج مما يكون إيراده ظاهرًا. والله أعلم.
[ ٧ / ٥٠ ]