وفي هذا كفاية لمن يفهم.
المثال الثالث: قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]. وقد قرأ ابن عامر وأهل الشام: "ذو" (^١).
قالوا: ولفظ "تبارك" يجيء في الغالب مسندًا إلى الله ﷿، كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وغير ذلك. وكذلك في السنَّة، كما في حديث: "تباركت ربنا وتعاليت" (^٢).
والجواب: أن إسناده إلى الاسم نفسه قد جاء في الكتاب، كهذه الآية وغيرها، وفي السنّة كما في الدعاء الآخر: "تبارك اسمك وتعالى جدُّك" (^٣).
_________________
(١) الإقناع في القراءات السبع (٧٧٩).
(٢) أخرجه أحمد برقم ١٧١٨ (٣/ ٢٤٥) وأبو داود في الصلاة، باب القنوت في الوتر (١٤٢٥) والترمذي في أبواب الوتر، باب ما جاء في القنوت في الوتر (٤٦٣) والنسائي في قيام الليل، باب الدعاء في الوتر (١٧٤٥) من حديث الحسن بن علي ﵄.
(٣) أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن أبي سعيد الخدري وعائشة وغيرهما. انظر الترمذي في أبواب الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة (٢٤٢، ٢٤٣)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك (٧٧٥، ٧٧٦) والنسائي في الافتتاح، باب القراءة في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها (٨٩٨)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب افتتاح الصلاة (٨٠٤).
[ ٧ / ٣٢ ]
ولا
داعي إلى تأويله؛ لأن معنى "تبارك": تكاثرت بركته أي خيرُه.
وأسماء الله ﵎ كثيرة البركة، فبها تستفاد الخيرات، إذ بها يدعى سبحانه فيجيب، ويُستعان فيعين، ويُستغاث فيغيث، ويُستغفر فيغفر، وبه يُوحَّد ويُمجَّد ويُحمَد ويُسبَّح، إلى غير ذلك.
وقد قال ابن الأنباري: "تبارك الله: أي يتبرك باسمه في كل شيء". ذكره صاحب لسان العرب وغيره (^١).
فإن قيل: لكن السورة من أولها إنما عددت نعم الرب وبركاته وخيراته ﷿، ولا يظهر فيها ما يتعلق بالاسم.
قلت: هذا سؤال قوي، وجوابه بحمد الله ﷿ سهل، وهو أن تلك النعم تتعلق باسمين من أسمائه سبحانه، أحدهما: الرحمن، والثاني: الربّ.
ودلّ على ذلك بناؤه السورة على الأول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) ﴾. ثم عقب تفصيلها بعنوان الثاني، وذلك قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
ومعنى الرحمن والرب موافق لذلك، فقد يكون أحد هذين أو كلاهما هو المراد بالاسم.
فإن قلت: إن النعم لا تتعلق بالاسم نفسه، وإنما تتعلق بالصفة التي دلَّ
_________________
(١) "اللسان" (برك ١٠/ ٣٩٦). ونص كلامه في "الزاهر" (١/ ١٤٧ - ١٤٨): " وقولهم (تبارك اسمك وتعالى جدك) فيه قولان: معنى تبارك: تقدس أي تطهر وقال قوم: معنى تبارك اسمك، تفاعل من البركة، أي البركة تكتسب وتنال بذكر اسمك".
[ ٧ / ٣٣ ]
عليها، وهي الرحمانية والربوبية.
قلت: لا مانع من أن يقال: تبارَكَ الاسم الدالُّ على تلك الصفة.
هذا، وإذا أسند التبارك إلى الاسم، فثبوته للصفة من باب أولى، وللربِّ ﷿ أولى وأولى.
وهذا معنى مقصود فيه زيادة في الحمد والثناء والتعظيم. والخروج عن الظاهر بالقول بزيادة لفظ "اسم"، أو بما يصير في معنى الزائد، يلزمه نقص في ذلك المعنى العظيم.
فأما قراءة ابن عامر وأهل الشام، فإن استكثرت على اسم الله ﷿ أن يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام، فاجعل قوله: ﴿ذُو﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: هو، أي الرب، وبهذا توافق هذه القراءة معنى قراءة الجمهور.
وإن شئت فاجعل ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ بيانًا للاسم، أي تبارك هذا الاسم، وهو "ذو الجلال والإكرام" لدلالته على ما تضمنته السورة من عظم جلال الله ﷿، وكثرة إكرامه بالنعم.
وهذا اسم عظيم الشأن، حتى قيل: إنه الاسم الأعظم. وفي حديث رواه أهل السنن وصححه الحاكم على شرط مسلم (^١): "أن النبي - ﵌ - سمع
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الدعوات (٣٧٧٦) وأبو داود في الصلاة باب الدعاء (١٤٩٥) والنسائي في السهو، باب الدعاء بعد الذكر (١٢٩٩) وابن ماجه في الدعاء، باب اسم الله الأعظم (٣٨٥٨)، والحاكم في المستدرك (١٨٥٦) من حديث أنس ﵁. وأخرجه أحمد في "المسند" (١٢٦١١) وقال محققه: إن الحاكم قد وهم في تصحيحه على شرط مسلم، فإن حفصًا لم يخرِّج له مسلم شيئًا (٢٠/ ٦٣). ولم أجد لفظ "الحنّان" في السنن والمستدرك، ولعل المؤلف نقل الحديث من "المشكاة" (٢٢٩٠) وفيه: "الحنان المنان".
[ ٧ / ٣٤ ]