فحملُ الأسماءِ هنا على المسمَّيات أو الأشخاص نقيض قصد القرآن. والذي أوقع هؤلاء فيه إنما هو عدم تدبر القرآن، والجهل بما عليه المشركون.
ونظير هذه قوله تعالى فيما قصَّه عن هود ﵇: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣]. وقد أوضحتُ ذلك بأدلته في رسالة "العبادة" (^١).
وقد ذهب بعض المفسرين إلى نحو هذا، ولكنَّه توهم أنّ المراد أسماء الأصنام، وأنّ ذواتِ الأصنام نُزِّلَتْ منزلةَ العدم. وقد عرفتَ ــ بحمد الله تعالى ــ الحقيقة.
المثال الثاني: قوله ﷿: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. قالوا: وقد أخرج الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس: "أن النبي - ﵌ - كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى" (^٢).
وعن عقبة بن عامر: أنها لما نزلت قال النبي - ﵌ -: "اجعلوها في سجودكم" (^٣). ومعلوم أنه يقال في السجود: سبحان ربي الأعلى.
_________________
(١) إيضاح ذلك في القسم المفقود من رسالة العبادة. وانظر (ص ٦٨٥) منها.
(٢) "المسند" برقم ٢٠٦٦ (٣/ ٤٩٥). وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الدعاء في الصلاة (٨٨٣) وقال: "خولف وكيع في هذا الحديث. رواه أبو وكيع وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا".
(٣) أخرجه أحمد في "المسند" برقم ١٧٤١٤ (٢٨/ ٦٣٠) وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (٨٦٩) وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة باب التسبيح في الركوع والسجود (٨٨٧).
[ ٧ / ٢٩ ]
وعن علي ﵁: أنه قرأها في الصلاة، فقال: سبحان ربي الأعلى. فقيل له في ذلك، فقال: إنما أمرنا بشيء (^١).
وروي نحو هذا عن غيره (^٢).
قالوا: ومعقول أن التسبيح هو قول "سبحان". والمعروف في الشريعة "سبحان الله" [٤٦/أ] ونحوه، ولا يعرف فيها "سبحان اسم الله"، أو نحوه.
أقول: أصل التسبيح في اللغة: التنزيه، ثم كثر استعماله في النطق بـ "سبحان". وجاء هاهنا على أصله بقرينة أنه لم يعرف: "سبحان اسم الله"، كما قلتم.
وتنزيه أسماء الله ﷿ حق لا ريب فيه، ومنه أن لا يسمى غيره بما اختص به أو غلب، كلفظ الله والرحمن والقدوس والحكيم العليم، وغير ذلك، وأن لا تذكر أسماؤه في الهزل واللعب، ولا تذكر عند ملامسة القاذورات، إلى غير ذلك.
والأمر بتنزيه الاسم يدل بفحواه على الأمر بتنزيه المسمَّى؛ لأن تنزيهه سبحانه أوجب وأولى، فقد دلت الآية على كلا الأمرين.
فأما تنزيه الرب ﷿ فإنه يكون بالقول، وقد جعل له الشارع علمًا، وهو لفظ "سبحان". وأما تنزيه الاسم فإنه يكون بالعمل، كما تقدم.
فكان النبي - ﵌ - ثم أصحابه يمتثلون الأمر الثابت بالأولى بقول
_________________
(١) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٤٨٣) إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وغيرهم.
(٢) انظر المصدر السابق.
[ ٧ / ٣٠ ]
"سبحان ربي الأعلى"، ويمتثلون الأمر بتنزيه الاسم بعملهم، كما نهي النبي - ﵌ - عن أن يقال لإنسان: "ملك الأملاك" (^١). وغيَّر كنية من كان يكنى "أبا الحكم"، وقال: "الحَكَم الله" (^٢). وغيَّر اسم من كان يسمَّى "عزيزًا" (^٣). بل جاء عنه أنه جاءه رجل، فذكر له أنه طبيب، فقال النبي - ﵌ -: "أنت رفيق، والله هو الطبيب" (^٤). وأن قومًا جاؤوه، وقالوا: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله" (^٥).
وتبعه أصحابه ﵃، بل جاء عن عمر أنه كره التسمِّي بأسماء الملائكة والأنبياء (^٦).
_________________
(١) يشير إلى حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري في الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله (٦٢٠٦) ومسلم في الأدب، باب تحريم التسمّي بملك الأملاك (٢١٤٣).
(٢) وكناه أبا شريح. أخرجه أبو داود في الأدب، باب تغيير الأسماء (٤٩٥٥) والنسائي في آداب القضاة، باب إذا حكّموا رجلًا فقضى بينهم (٥٤٠٢) بإسناد صحيح.
(٣) ذكره أبو داود في باب تغيير الاسم القبيح (٤٩٥٦) مع أسماء أخرى غيّرها النبي - ﷺ - وترك أسانيدها للاختصار.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الترجل، باب الخضاب (٤٢٠٧) بإسناد صحيح.
(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في الرفق (٤٨٠٨) بإسناد صحيح.
(٦) أخرج إسحاق بن راهويه في "مسنده" (كما في "المطالب العالية": ١٢/ ١٣١، و"إتحاف المهرة": ٦/ ٤٣) عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ جمع كل غلام اسمه اسم نبي، فأدخلهم دارًا، وأراد أن يغيِّر أسماءهم، فشهد آباؤهم أن رسول الله - ﷺ - سماهم وإسناده حسن. وأخرج ابن سعد (٥/ ٦) أن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كان اسمه إبراهيم، فدخل على عمر في ولايته حين أراد أن يغيِّر اسم مَن تسمَّى بأسماء الأنبياء، فغيَّر اسمه، فسمَّاه "عبد الرحمن"، فثبت اسمه إلى اليوم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ (العظمة: ٤/ ١٤٨٠) وغيرهم عن عمر أنه سمع رجلًا ينادي بمنى: يا ذا القرنين. فقال له عمر: اللهم غفرًا! ها أنتم قد سميتم بأسماء الأنبياء، فما بالكم وأسماء الملائكة! وانظر: "الروض الأنف": (٢/ ٦٦)، و"تحفة المودود" (١٨٥).
[ ٧ / ٣١ ]