إن معالم التنزيل كتاب متوسط، نقل فيه مصنفه عن مفسري الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو من أجلِّ الكتب وأنبلها وأسناها، حاوٍ للصحيح من الأقوال، عارٍ عن الغموض والتكلف في توضيح النص القرآني، محلى بالأحاديث النبوية والاَثار الغالب عليها الصحة.
قال العلامة ابن تيمية: (والبغوي تفسيره مختصر من الثعالبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة، والاَراء المبتدعة) وقد سئل عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة؟ الزمخشري أم القرطبي، أم البغوي؟ أو غير هؤلاء؟ فأجاب: "وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة- البغوي") (١)
وقد بين البغوي شيئًا من ذلك في مقدمته إذ يقول:
"فسألنى جماعة من أصحابي المخلصين، وعلى اقتباس العلم مقبلين: كتابًا في معالم التنزيل وتفسيره فأجبتهم إليه، معتمدًا على فضل الله وتيسيره، ممتثلًا وصية رسول الله ﷺ فيهم فيما يرويه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه ﵊ قال: " إن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا" (٢) واقتداءً بالماضين من السلف في تدوين العلم، إبقاء على الخَلَف".
استجاب أجزل الله مثوبته لرغبة طلابه وأصحابه آخذًا بوصية رسول الله ﷺ، مقتديًا بالسلف الصالح في كتابه العلم حيث يقول: "فجمعت- بعون الله تعالى وحسن توفيقه- فيما سألوه كتابًا متوسطًا، بين الطويل الممّل، والقصير المخل، أرجو أن يكون مفيدًا لمن أقبل على تحصيله مريدًا" (٣) .
ومن خلال البحث يمكننا أن نقف على منهج الإمام البغوي فنوجزه بما يلي:
١- يتعرض لتفسير الآية الكريمة بلفظ سهل موجز، لا تكلُّف في لغته ولا تطويل، فهو يكتفي
_________________
(١) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٣/ ٣٨٦.
(٢) انظر تخريجه فيما سيأتي، ص (٣٤)
(٣) انظر مقدمة المفسر ص (٣٤)
[ ١ / ٨ ]
بالوقوف على الكلمة الغريبة ليكشف عن معناها بالرجوع إلى أصلها ومصدرها، مستدلًا بالآيات والأحاديث وما أثر عن الصحابة والتابعين وبأقوال أهل اللغة.
٢- يسلك السبيل القويم في بيان المعاني فيفسر القرآن بالقرآن أو بالحديث أو بأقوال الصحابة، ويستأنس بأقوال التابعين والمجتهدين، وذلك أن القرآن يفسر بعضه بعضًا فما أُجمل في موضع فُصِّل في موضع آخر، وقد تخصص آية عموم آية أخرى.
ونجده يعتمد الجمع بين الآيات ذات المعنى الواحد، ليوضح معنى كلمة في الآية، كما فعل- على سبيل المثال- عند تفسر قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١) إذ بّين معنى المَدِّ ثم أورد قوله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ (٢) ثم بين معنى الإمداد فأورد قول الله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٣) .
وعند قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٤) يقول: لأن الآَيات كانت تنزل تترى آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرًا ونفاقًا، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (٥) .
وأما اعتماد الإمام البغوي على السنة في تفسير القرآن الكريم فهو سمة واضحة في تفسيره. كيف لا وهو محي السنة! ولذا فقد جاء تفسيره حافلًا بالأحاديث التي انتخبها فذكرها بأسانيدها، وقلَّ أن يذكر حديثًا بغير إسناد، أو يورد حديثًا ضعيفًا، وقد نجده يسوق عدة أحاديث عند الآية الواحدة كما فعل عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٦) أو عند قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون) (٧)
٣- يتعرض للقراءات من غير إسراف وذلك حين يجد أن القراءة يترتب عليها تَغَيُّرُ المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٨) إذ يقول ﵀: "قرأ أهل المدينة وعاصم وقَرن بفتح القاف، وقرأ الآخرون بكسرها، فمتى فتح القاف فمعناه: أقررن أي الزمن بيوتكن من قولهم قررت بالمكان أقر قرارًا ومن كسر القاف فقد قيل: هو من قررت أقر معناه أقررن بكسر الراء، فحذفت
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (١٥) .
(٢) سورة مريم، الآية (٧٩) .
(٣) سورة الإسراء الآية (٦) .
(٤) سورة البقرة، الآية (١٠) .
(٥) سورة التوبة، الآية (١٢٥) .
(٦) سورة البقرة، الآية (١٧٨) .
(٧) سورة الشعراء، الآية (٢٢٤) .
(٨) سورة الأحزاب، الآية (٣٣) .
[ ١ / ٩ ]
الأولى ونقلت حركتها إلى القاف كما ذكرنا، وقيل- وهو الأصح- إِنه أمرٌ من الوقار، كقولهم من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن، أي كُنَّ أهل وقار وسكون، من قولهم: وقر فلان يقر وقورًا إذا سكن واطمأن.
٤- يعرض لرأي أهل السنة ولآراء مخالفيهم مع الانتصار لرأي أهل السنة مدللا عليه بالمنقول والمعقول كما ذكر عند قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (١) مثبتًا الرؤية عيانًا، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٤) ثم بين أن النبي ﷺ فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى، ثم أورد حديثًا في إثبات الرؤية، وفرق بين الإدراك والرؤية.
٥- ويظهر بوضوح اهتمامه بالآراء الفقهية فكثيرًا ما نجده يبسط آراء الفقهاء ويرجِّح رأي الشافعية وهو من أبرز فقهائهم، وأحيانًا يورد الآراء بدون ترجيح والقارئ الكريم سيجد هذا المنهج من خلال قراءته لهذا التفسير.
٦- يذكر أحيانًا بعض الإسرائيليات، ونراه يمر على بعضها- وهي قليلة مقارنة بالتفاسير الموجودة بين أيدينا- دون التعقيب عليها، كما فعل عند ذكره لقصة هاروت وماروت في مسخ المرأة الجميلة إلى كوكب الزهرة؟ (الآية: ١١٢ من سورة البقرة) أو ما رواه عن الضحاك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ (الآية: ٢٥١ من سورة البقرة)، وفي مواضع أخرى ستأتي الإشارة إليها في التفسير إن شاء الله.
ويجدر بنا أن نشير إلى أن الإسرائيليات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ- ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
ب- قسم يخالف شرعنا ويناقضه، وهو مردود ولا تصح روايته.
ت- قسم نتوقف فيه، فلا هو من القسم الأول، ولا من الثاني وهذا لا حرج من روايته إن كان موضوعه بعيدًا عن العقيدة والأحكام.
فقد روى البخاري في تفسير سورة البقرة: باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، وفي الاعتصام: باب قول النبي ﷺ: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرؤون
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١٠٣) .
(٢) سورة القيامة، الآية (٢٢) .
(٣) سورة المطففين، الآية (١٥) .
(٤) سورة يونس، الآية (٢٦) .
[ ١ / ١٠ ]
التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ " الآية.
والخير للمفسر أن يقلع عن هذه الإسرائيليات- أي القسمين الأخيرين - وأن يعرض عما لا طائل منه ويعد صارفًا وشاغلًا عن الأصول المعتمدة في شرعنا وهذا أحكم وأسلم.
٧- ويلاحظ أنه ﵀ أكثر الرواية عن الكلبي: وهو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن عبد الحارث الكلبي، الكوفي، مات بالكوفة سنة ست وأربعين ومائة. قال معتمر بن سليمان عن أبيه: كان بالكوفة كذابان، أحدهما الكلبي (١) .
والحق أن البغوي، وهو من أهل الحديث وتحرير الروايات، لم يجعل ما ينقله عن الكلبي مناط الجزم في معنى الآية ولكنَّ التوسع في النقل أحيانًا ليعلم الناس ما قيل في مفهوم الآية جعله يستشهد بأقوال الكلبي، علمًا أنه قد يقول كلامًا جيدًا في التفسير موافقًا لما ورد في المأثور. والكلبي معروفة رواياته، وموقف العلماء منها.
_________________
(١) قال البخاري: تركه ابن معين وابن مهدي. وقال: حدثنا علي، حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: قال الكلبي: قال لي أبو صالح: كل شيء حدثتك فهو كذب. قال ابن عدي: وقد حدث عن الكلبي سفيان وشعبة وجماعة، ورضوه في التفسير، وأما في الحديث فعنده مناكير، وخاصة إذا روى عن أبي صالح عن ابن عباس. وقال ابن حبان: كان الكلبي سبئيًا، من أولئك الذين يقولون: إن عليًا لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا، ويملؤها عدلًا كما ملئت جَوْرًا، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها. وقال أحمد بن زهير: قلت لأحمد بن حنبل: يحلُ النظر في التفسير الكلبي؟ قال: لا. قال ابن حبان: يروي عن أبي صالح عن ابن عباس - التفسير، وأبو صالح لم يرَ ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فلما احتيج إليه أخرجت له الأرض أفلاذ كبدها. لا يحل ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به! انظر: الضعفاء الصغير للإمام البخاري، ومعه كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، ص (١٥٨، ٢٠٣) طبقات ابن سعد: ٦ / ٣٥٨ - ٣٥٩. تهذيب التهذيب: ٩ / ١٥٧ - ١٥٩ - تقريب التهذيب ٢ / ١٦٣. ميزان الاعتدال: ٣ / ٥٥٦ - ٥٥٩. المغني في الضعفاء للذهبي ٢ / ٢٠٠.
[ ١ / ١١ ]