﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الْبَيَانِ بِأَنَّ دِينَ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامُ وَالْقِبْلَةَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَهِيَ الْكَعْبَةُ ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةٌ مِنْ رُهْبَانِ الشَّامِ مِنْهُمْ بَحِيرَا (١)، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ مَنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَسَعْيَةُ بْنُ عَمْرٍو وَتَمَّامُ بْنُ يَهُودَا وَأَسَدٌ وَأُسَيْدٌ ابْنَا كَعْبٍ وَابْنُ يَامِينَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا (٢)، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ عَامَّةً (٣) ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَصِفُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ حَقَّ صِفَتِهِ لِمَنْ سَأَلَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هِيَ عَائِدَةٌ إِلَى الْكِتَابِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: يَقْرَءُونَهُ كَمَا أُنْزِلَ وَلَا يُحَرِّفُونَهُ، وَيُحِلُّونَ حَلَالَهُ وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِمُتَشَابِهِهِ، وَيَكِلُونَ عِلْمَ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ إِلَى عَالَمِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ.
قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ١٨/أ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ إِبْرَاهَامَ بِالْأَلِفِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ وَلِذَلِكَ لَا يُجَرُّ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارِخَ بْنِ نَاخُورَ وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالسُّوسِ مِنْ أَرْضِ الْأَهْوَازِ وَقِيلَ بَابِلَ وَقِيلَ: كُوفِيٌّ، وَقِيلَ: [لشكر] (٤)، وَقِيلَ حَرَّانَ، وَكَانَ أَبُوهُ نَقَلَهُ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ أَرْضِ نُمْرُودَ بْنِ
_________________
(١) انظر: البحر المحيط: ١ / ٣٦٩، أسباب النزول للواحدي: ص (٣٧)، الوسيط: ١ / ١٨٤.
(٢) البحر المحيط: ١ / ٣٦٩، الطبري: ٢ / ٥٦٤ وهو ما رجحه، ﵀.
(٣) البحر المحيط: ١ / ٣٦٩، الطبري: ٢ / ٥٦٤.
(٤) في ب كسكر.
[ ١ / ١٤٤ ]
كَنْعَانَ، وَمَعْنَى الِابْتِلَاءِ الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ وَالْأَمْرُ، وَابْتِلَاءُ اللَّهِ الْعِبَادَ لَيْسَ لِيَعْلَمَ أَحْوَالَهُمْ بِالِابْتِلَاءِ، لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهِمْ، وَلَكِنْ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ أَحْوَالَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَى اللَّهُ بِهَا إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَالَ عِكْرِمَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هِيَ ثَلَاثُونَ سَمَّاهُنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُبْتَلَ بِهَا أَحَدٌ فَأَقَامَهَا كُلَّهَا إِلَّا إِبْرَاهِيمُ فَكُتِبَ لَهُ الْبَرَاءَةُ، فَقَالَ تَعَالَى: "وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى" (٣٧-النَّجْمِ) عَشْرٌ فِي بَرَاءَةَ "التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ" إِلَى آخِرِهَا، وَعَشْرٌ فِي الْأَحْزَابِ "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ" وَعَشْرٌ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ" الْآيَاتِ، وَقَوْلُهُ "إِلَّا الْمُصَلِّينَ" فِي سَأَلَ سَائِلٌ (١) .
وَقَالَ طاووس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ وَهِيَ: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَفَرْقُ الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ: تَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ (٢) .
وَفِي الْخَبَرِ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَوَّلُ مَنْ قَصَّ الشَّارِبَ، وَأَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ، وَأَوَّلُ مَنْ قَلَّمَ الْأَظَافِرَ، وَأَوَّلُ مَنْ رَأَى الشَّيْبَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا؟ قَالَ [سِمَةُ] (٣) الْوَقَارِ، قَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا" (٤) قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْآيَاتُ الَّتِي بَعْدَهَا فِي قَوْلِهِ ﷿ "إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا" (١٢٤-الْبَقَرَةِ) إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ وَقَتَادَةُ: مَنَاسِكُ الْحَجِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ: بِالْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ، فَأَحْسَنَ فِيهَا النَّظَرَ وَعَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ، وَبِالنَّارِ فَصَبَرَ عَلَيْهَا، وَبِالْهِجْرَةِ وَبِذَبْحِ ابْنِهِ وَبِالْخِتَانِ فَصَبَرَ عَلَيْهَا، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ إِذْ يَرْفَعَانِ الْبَيْتَ "رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا" (١٢٧-الْبَقَرَةِ) الْآيَةَ فَرَفَعَاهَا بسبحان اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [وَاللَّهُ أَكْبَرُ] (٥)، قَالَ يَمَانُ بْنُ رَبَابٍ: هُنَّ مُحَاجَّةُ قَوْمِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ" إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى -"وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ" (٨٣-الْأَنْعَامِ) وَقِيلَ هِيَ قَوْلُهُ: "الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ" (٧٨-الشُّعَرَاءِ) إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ. ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَدَّاهُنَّ، قَالَ الضَّحَّاكُ: قَامَ بِهِنَّ وَقَالَ: [نُعْمَانُ] (٦) عَمِلَ بِهِنَّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ يُقْتَدَى بِكَ فِي الْخَيْرِ ﴿قَالَ﴾ إِبْرَاهِيمُ
_________________
(١) انظر: البحر المحيط: ١ / ٣٧٥.
(٢) انظر تفسير ابن كثير ١ / ٢٨٩، والبحر المحيط: ١ / ٣٧٥.
(٣) ساقطة من ب.
(٤) قال القرطبي في التفسير: ٢ / ٩٨ وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم ﵇ أول من اختتن إلخ. وانظر: الدر المنثور: ١ / ٢٨١.
(٥) وفي ب يمان.
(٦) ساقطة في ب.
[ ١ / ١٤٥ ]