وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ باتباع موسى والعمل بالتوراة. وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ حتى أعطيتم الميثاق،
روي أن موسى ﵊ لما جاءهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل ﵇ فقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا
. خُذُوا على إرادة القول: مَا آتَيْناكُمْ من الكتاب بِقُوَّةٍ بجد وعزيمة. وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ادرسوه ولا تنسوه، أو تفكروا فيه فإنه ذكر بالقلب، أو اعملوا به. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تتقوا المعاصي، أو رجاء منكم أن تكونوا متقين. ويجوز عند المعتزلة أن يتعلق بالقول المحذوف، أي: قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا.
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أعرضتم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه. فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بتوفيقكم للتوبة، أو بمحمد ﷺ يدعوكم إلى الحق ويهديكم إليه. لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ المغبونين بالانهماك في المعاصي، أو بالخبط والضلال في فترة من الرسل. ولو في الأصل لامتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا دخل على لا أفاد إثباتًا وهو امتناع الشيء لثبوت غيره، والاسم الواقع بعده عند سيبويه مبتدأ خبره واجب الحذف لدلالة الكلام عليه وسد الجواب مسده، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف.
[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٥ الى ٦٦]
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ اللام موطئة لقسم، والسبت مصدر قولك سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت، وأصله القطع أمروا بأن يجردوه للعبادة فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داود ﵇، واشتغلوا بالصيد، وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على ساحل يقال لها أيلة، وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه، فإذا مضى تفرقت فحفروا حياضًا وشرعوا إليها الجداول وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد. فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ جامعين بين صورة القردة والخسوء: وهو الصغار والطرد، وقال مجاهد ما مسخت صورهم ولكن قلوبهم، فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا وقوله: كُونُوا ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه، وإنما المراد به سرعة التكوين، وأنهم صاروا كذلك كما أراد بهم، وقرئ «قردة» بفتح القاف وكسر الراء، و«خاسين» بغير همزة.
[ ١ / ٨٥ ]
فَجَعَلْناها أي المسخة، أو العقوبة. نَكالًا عبرة تنكل المعتبر بها، أي تمنعه. ومنه النكل للقيد.
لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها لما قبلها وما بعدها من الأمم إذ ذكرت حالهم في زبر الأولين، واشتهرت قصتهم في الآخرين، أو لمعاصريهم ومن بعدهم، أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها، أو لأهل تلك القرية وما حواليها، أو لأجل ما تقدم عليها من ذنوبهم وما تأخر منها. وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ من قومهم، أو لكل متق سمعها.