وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني أحبارهم. لَوْ يَرُدُّونَكُمْ أن يردوكم، فإن لو تنوب عن إن في المعنى دون اللفظ: مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا مرتدين، وهو حال من ضمير المخاطبين حَسَدًا علة ود.
مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ يجوز أن يتعلق بود، أي تمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم، لا من قبل التدين والميل مع الحق. أو بحسدًا أي حسدًا بالغًا منبعثًا من أصل نفوسهم مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة. فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك تثريبه. حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ الذي هو الإذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم، أو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير. وعن ابن عباس ﵄ إنه منسوخ بآية السيف، وفيه نظر إذ الأمر غير مطلق إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الانتقام منهم.
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ عطف على فاعفوا كأنه أمرهم بالصبر والمخالفة واللجأ إلى الله تعالى بالعبادة والبر وَما «تُقَدِّمُوا» لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ كصلاة وصدقة. وقرئ «تُقَدّمُواْ» من أقدم تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ أي ثوابه.
إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا يضيع عنده عمل. وقرئ بالياء فيكون وعيدا.
[سورة البقرة (٢): الآيات ١١١ الى ١١٢]
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)
[ ١ / ١٠٠ ]
وَقالُوا عطف على وَدَّ، والضمير لأهل الكتاب من اليهود والنصارى. لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى لف بين قولي الفريقين كما في قوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى ثقة بفهم السامع، وهود جمع هائد كعوذ وعائذ، وتوحيد الاسم المضمر في كان، وجمع الخبر لاعتبار اللفظ والمعنى.
تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ إشارة إلى الأماني المذكورة، وهي أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأن يردوهم كفارًا، وأن لا يدخل الجنة غيرهم، أو إلى ما في الآية على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم، والجملة اعتراض والأمنية أفعولة من التمني كالأضحوكة والأعجوبة. قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ على اختصاصكم بدخول الجنة. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم فإن كل قول لا دليل عليه غير ثابت.
بَلى إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أخلص له نفسه، أو قصده، وأصله العضو وَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله فَلَهُ أَجْرُهُ الذي وعد له على عمله عِنْدَ رَبِّهِ ثابتًا عن ربه لا يضيع ولا ينقص، والجملة جواب من إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة. والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط فيكون الرد بقوله: بلى وحده، ويحسن الوقف عليه. ويجوز أن يكون من أسلم فاعل فعل مقدر مثل بلى يدخلها من أسلم وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ في الآخرة.