وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ كلفه بأوامر ونواه، والابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء، لكنه لما استلزم الاختبار بالنسبة إلى من يجهل العواقب ظن ترادفهما، والضمير لإبراهيم، وحسن لتقدمه لفظًا وإن تأخر رتبة، لأن الشرط أحد المتقدمين، والكلمات قد تطلق على المعاني فلذلك فسرت بالخصال الثلاثين المحمودة المذكورة في قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الآية وقوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ إلى آخر الآية، وقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى قوله: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ كما فسرت بها في قوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ وبالعشر التي هي من سننه، وبمناسك الحج وبالكواكب، والقمرين، والختان، وذبح الولد، والنار، والهجرة. على أنه تعالى عامله بها معاملة المختبر بهن وبما تضمنته الآيات التي بعدها. وقرئ «إبراهيم ربه» على أنه دعا ربه بكلمات مثل أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. واجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ليرى هل يجيبه. وقرأ ابن عامر إبراهام بالألف جميع ما في هذه السورة. فَأَتَمَّهُنَّ فأداهن كملًا وقام بهن حق القيام، لقوله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى وفى القراءة الأخيرة الضمير لربه، أي أعطاه جميع ما دعاه. قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا استئناف إن أضمرت ناصب إذ كأنه قيل: فماذا قال ربه حين أتمهن، فأجيب بذلك. أو بيان لقوله ابتلى فتكون الكلمات ما ذكره من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع قواعده، والإسلام. وإن نصبته يقال فالمجموع جملة معطوفة على ما قبلها، أو جاعل من جعل الذي له مفعولان، والإمام اسم لمن يؤتم به وإمامته عامة مؤبدة، إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأمورًا باتباعه. قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي عطف على الكاف أي وبعض ذريتي، كما تقول: وزيدًا، في جواب: سأكرمك، والذرية نسل الرجل، فعلية أو فعولة قلبت راؤها الثانية ياء كما في تقضيت. من الذر بمعنى التفريق، أو فعولة أو فعلية قلبت همزتها من الذرة بمعنى الخلق. وقرئ «ذريتي» بالكسر وهي لغة. قالَ لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ إجابة إلى ملتمسه، وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة، وأنهم لا ينالون الإمامة لأنها أمانة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها، وإنما ينالها البررة الأتقياء منهم. وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة. وقرئ «الظالمون» والمعنى واحد إذ كل ما نالك فقد نلته.
[سورة البقرة (٢): آية ١٢٥]
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ أي الكعبة، غلب عليها كالنجم على الثريا. مَثابَةً لِلنَّاسِ مرجعًا يثوب إليه أعيان
[ ١ / ١٠٤ ]
الزوار أو أمثالهم، أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره. وقرئ: «مثابات» أي لأنه مثابة كل أحد.
وَأَمْنًا وموضع أمن لا يتعرض لأهله كقوله تعالى: حَرَمًا آمِنًا. وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ، أو يأمن حاجَّهُ من عذاب الآخرة من حيث إن الحج يجب ما قبله، أولًا يؤاخذ الجاني الملتجئ إليه حتى يخرج، وهو مذهب أبي حنيفة ﵁. وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى على إرادة القول، أو عطف على المقدر عاملًا لإذ، أو اعتراض معطوف على مضمر تقديره توبوا إليه واتخذوا، على أن الخطاب لأمة محمد ﷺ، وهو أمر استحباب، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي فيه أثر قدمه، أو الموضع الذي كان فيه الحجر حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج، أو رفع بناء البيت وهو موضعه اليوم.
روي أنه ﵊ أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه وقال: «هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى، فقال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت»
وقيل المراد به الأمر بركعتي الطواف، لما
روى جابر أنه ﵊:
لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
وللشافعي رحمه الله تعالى في وجوبهما قولان. وقيل: مقام إبراهيم الحرم كله. وقيل مواقف الحج واتخاذها مصلى أن يدعى فيها، ويتقرب إلى الله تعالى. وقرأ نافع وابن عامر وَاتَّخِذُوا بلفظ الماضي عطفًا على جَعَلْنَا، أي: واتخذوا الناس مقامه الموسوم به، يعني الكعبة قبلة يصلون إليها. وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أمرناهما. أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ بأن طَهّرَا بَيْتِيَ ويجوز أن تكون أن مفسرة لتضمن العهد معنى القول، يريد طهراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به، أو أخلصاه. لِلطَّائِفِينَ حوله. وَالْعاكِفِينَ المقيمين عنده، أو المعتكفين فيه وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. أي المصلين، جمع راكع وساجد.