ولكنه ترك ما فيه من اعتزالات، وإن كان أحيانا يذهب إلى ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» .
ومن ذلك أنه عند ما فسر قوله تعالى في الآية (٢٧٥) من سورة البقرة: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) الآية، وجدناه يقول: «إلا قيامًا كقيام المصروع، وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع» .. ثم يفسّر المس بالجنون ويقول «وهذا أيضًا من زعماتهم أن الجني يمس الرجل فيختلط عقله» .
ولا شك أن هذا موافق لما ذهب إليه الزمخشري من أن الجن لا تسلّط لها على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء.
كما أننا نجد البيضاوي قد وقع فيما وقع فيه صاحب «الكشاف»، من ذكره في نهاية كل سورة حديثا في فضلها وما لقارئها من الثواب والأجر عند الله، وقد عرفنا قيمة هذه الأحاديث، وقلنا إنها موضوعة باتفاق أهل الحديث، ولست أعرف كيف اغتربها البيضاوي فرواها وتابع الزمخشري في ذكرها عند آخر تفسيره لكل سورة، مع ما له من مكانة علمية، وسيأتي اعتذار بعض الناس عنه في ذلك، وإن كان اعتذارا ضعيفا، لا يكفي لتبرير هذا العمل الذي لا يليق بعالم كالبيضاوي له قيمته ومكانته.
استمد البيضاوي تفسيره من التفسير الكبير المسمى «بمفاتيح الغيب» للفخر الرازي، ومن تفسير الراغب الأصفهاني.
وضم لذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين.
كما أنه أعمل فيه عقله، فضمنه نكتا بارعة، ولطائف رائعة، واستنباطات دقيقة، كل هذا في أسلوب رائع موجز، وعبارة تدق أحيانا وتخفى إلّا على ذي بصيرة ثاقبة، وفطنة نيرة.
وهو يهتم أحيانا بذكر القراءات، ولكنه لا يلتزم المتواتر منها فيذكر الشاذ.
كما أنه يعرض للصناعة النحوية.
ولكن بدون توسع واستفاضة.
كما أنه يتعرض عند آيات الأحكام لبعض المسائل الفقهية بدون توسع منه في ذلك:
وإن كان يظهر لنا أنه يميل غالبا لتأييد مذهبه وترويجه، فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٢٢٨) من سورة البقرة وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ يقول ما نصه: وقروء جمع قرء، وهو يطلق للحيض
_________________
(١) اقتبسنا هذا من كلام الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه «التفسير والمفسرون» (١/ ٢٩٦) وما بعدها.
[ ١ / ١٢ ]
كقوله ﵊: دعي الصلاة أيام أقرائك، وللطهر الفاصل بين الحيضتين
، كقول الأعشى:
مُوَرِّثَةٌ مَالًا وَفِي الحَيِّ رفْعَةٌ لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نائكا
وأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض، وهو المراد في الآية لأنه الدال على براءة الرحم لا الحيض كما قاله الحنفية، لقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] أي وقت عدتهن، والطلاق المشروع لا يكون في الحيض.
وأما
قوله ﵊: طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان
، فلا يقاوم ما رواه الشيخان في قصة ابن عمر: مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء إلخ.
كذلك نجد البيضاوي كثيرا ما يقرر مذهب أهل السنة:
عند ما يعرض لتفسير آية لها صلة بنقطة من نقط النزاع بينهم وبين مذهب المعتزلة.
فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآيتين (٢، ٣) من سورة البقرة هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) نراه يعرض لبيان معنى الإيمان والنفاق عند أهل السنة والمعتزلة والخوارج، بتوسع ظاهر، وترجيح منه لمذهب أهل السنة.
ومثلا عند تفسيره لقوله تعالى في أول سورة البقرة أيضا: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣] نراه يتعرض للخلاف الذي بين أهل السنة والمعتزلة فيما يطلق عليه اسم الرزق، ويذكر وجهة نظر كل فريق مع ترجيحه لمذهب أهل السنة.
والبيضاوي ﵀ مقلّ جدا من ذكر الروايات الإسرائيلية:
وهو يصدر الرواية بقوله: روي أو قيل، إشعارا منه بضعفها.
فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية: (٢٢) من سورة النمل فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) [النمل: ٢٢] يقول بعد فراغه من تفسيرها:
روي أنه ﵇ لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج.
إلخ القصة التي يقف البيضاوي بعد روايتها موقف المجوز لها. غير القاطع بصحتها، حيث يقول ما نصه «ولعل في عجائب قدرة لله وما خص به خاصة عباده أشياء أعظم من ذلك، يستكبرها من يعرفها، ويستنكرها من ينكرها» .
ثم إن البيضاوي إذا عرض للآيات الكونية، فإنه لا يتركها بدون أن يخوض في مباحث الكون والطبيعة ولعل هذه الظاهرة سرت إليه من طريق «التفسير الكبير» للفخر الرازي، الذي استمد منه كما قلنا.
فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [الصافات: ١٠] نراه يعرض لحقيقة الشهاب فيقول: الشهاب ما يرى كأن كوكبًا انقض. ثم يرد على من يخالف ذلك فيقول: وما قيل إنه بخار يصعد إلى الأثير فيشتعل فتخمين، إن صح لم يناف ذلك..» إلى آخر كلامه في هذا الموضوع.
قال البيضاوي نفسه في مقدمة «تفسيره» هذا بعد الديباجة ما نصه:
« ولطالما أحدّث نفسي بأن أصنف في هذا الفن- يعني التفسير- كتابا يحتوي على صفوة ما بلغني من عظماء الصحابة، وعلماء التابعين ومن دونهم من السّلف الصالحين، وينطوي على نكات بارعة، ولطائف رائعة، استنبطتها أنا ومن قبلي من أفاضل المتأخرين، وأماثل المحققين، ويعرب عن وجوه القراءات المشهورة المعزية إلى الأئمة الثمانية المشهورين، والشواذ المروية عن القراء المعتبرين، إلا أن قصور بضاعتي يثبطني عن الإقدام، ويمنعني عن الانتصاب في هذا المقام، حتى سنح لي بعد الاستخارة ما صمم به عزمي على
[ ١ / ١٣ ]
الشروع فيما أردته، والإتيان بما قصدته، ناويا أن أسميه «بأنوار التنزيل وأسرار التأويل » «١» .
ويقول في آخر الكتاب «٢» ما نصه: «وقد اتفق إتمام تعليق سواد هذا الكتاب المنطوي على فوائد ذوي الألباب، المشتمل على خلاصة أقوال أكابر الأئمة، وصفوة آراء أعلام الأمة، في تفسير القرآن وتحقيق معانيه، والكشف عن عويصات ألفاظه ومعجزات مبانيه، مع الإِيجاز الخالي عن الإخلال، والتلخيص العاري عن الإضلال، المرسوم «بأنوار التنزيل وأسرار التأويل » .
وكأني به في هذه الجملة الأخيرة، يشير إلى أنه اختصر من تفسير «الكشاف» ولخص منه، ضمن ما اختصره ولخصه من كتب التفسير الأخرى، غير أنه ترك ما فيه من نزعات الضلال، وشطحات الاعتزال.