نشأ سهل التستري في تستر، وكانت بدايات اتجاهه إلى التصوف في سن مبكرة جدا، واحتفظ لنا اليافعي بنص مروي عن سهل التستري تحدث فيه عن نشأته واتخاذه التصوف منهجا وسبيلا لحياته، فقال: (كنت ابن ثلاث سنين، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوّار، وكان يقوم بالليل، وكان يقول: يا سهل، اذهب ونم، فقد شغلت قلبي. وقال لي يوما خالي: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ فقال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي. فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته، فقال: قلها في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك، فوقع في قلبي حلاوة. فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لها حلاوة في سري. ثم قال لي خالي يوما:
يا سهل، من كان الله معه وهو ناظر إليه وشاهده لا يعصيه، إياك والمعصية.
حفظت القرآن وأنا ابن ست أو سبع، وكنت أصوم الدهر، وقوتي خبز الشعير اثنتي عشرة سنة، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فسألت أن يبعثوا بي إلى البصرة أسأل عنها، فجئت البصرة، وسألت علماءها، فلم يشفني ما سمعت. فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بن عبد الله العبادي، فسألته عنها فأجابني. وأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بأدبه. ثم رجعت إلى تستر، فجعلت قوتي اقتصارا على أن يشترى لي بدرهم فرقان الشعير، فيطحن ويختبز، فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بغير ملح ولا إدام،
_________________
(١) رحلة ابن بطوطة ١/ ٢٠٩،؛ وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٦/ ١٣.
(٢) البداية والنهاية ١١/ ٧٤؛ وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٨٥؛ وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٣،؛ وشذرات الذهب ١/ ١٨٢؛ وصفوة الصفوة ٤/ ٦٦؛ وطبقات الصوفية ١/ ١٦٧؛ والعبر ٢/ ٧٦؛ والكامل ٦/ ٣٨٩؛ ومعجم البلدان ٢/ ٣١؛ والمنتظم ٥/ ١٦٣؛ والنجوم الزاهرة ٣/ ٩٥؛ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩؛ والوافي بالوفيات ١٦/ ١٧.
(٣) البداية والنهاية ١١/ ٧٤؛ وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٣؛ وصفوة الصفوة ٤/ ٦٦؛ ومعجم البلدان ٢/ ٣١؛ والمنتظم ٥/ ١٦٣؛ والوافي بالوفيات ١٦/ ١٧؛ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩.
(٤) طبقات الصوفية ١/ ١٦٧.
[ ٤ ]
وكان يكفيني ذلك الدرهم سنة. ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال، ثم جعلتها خمسا، ثم سبعا، حتى بلغت خمسا وعشرين ليلة، وكنت على ذلك عشرين سنة. ثم خرجت أسيح في الأرض سنين، ثم عدت إلى تستر، وكنت أقوم الليل كله) (^١).
يتضح من هذا النص أن بدايات التستري الصوفية كانت على يد خاله الذي لا تفيدنا المصادر بشيء عنه، سوى أنه لقّن التستري مبادئ التصوف، ثم تلقى التصوف على يد شيخه حمزة العبادي في عبادان.
وتفيد مصادر أخرى أنه صحب ذا النون المصري الذي كان له دور - لا نعلم مداه - في رعاية بذرة التصوف لديه، فقد ذكرت بعض المصادر أن التستري لقيه في الحج وصحبه (^٢).
وثمت متصوف آخر هو إدريس بن أبي خولة الأنطاكي، أفادت المصادر أن التستري حكى عنه، ولم تضف إلى ذلك شيئا آخر (^٣).
ولا ندري كم من الزمن أقام في تستر، فإنه هجرها ورحل إلى البصرة وأقام فيها حتى وفاته (^٤).
وعن سبب انتقاله إلى البصرة قال ابن الجوزي: (حكى رجل عن سهل أنه يقول: إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه، وإنه يتكلم إليهم، فأنكر ذلك عليه العوام، حتى نسبوه إلى القبائح، فخرج إلى البصرة، فمات بها) (^٥).
ويبدو أن ابن الجوزي كان يتحامل على التستري، فقد أنكر عليه تفسير قوله تعالى:
﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦] فقد فسرها التستري على أنها القلب والنفس والجوارح (^٦)، (وابن الجوزي اكتفى بإنكار هذا التفسير، دون أن يذكر مبررا لإنكاره) (^٧).
_________________
(١) مرآة الجنان ٢/ ٢٤٩ (حوادث سنة ٢٨٣)؛ وذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩ من هذا الخبر قصته مع خاله فقط؛ وانظر: التصوف في الإسلام ٦٦ - ٦٧؛ وحركة التصوف الإسلامي ص ١١٠.
(٢) البداية والنهاية ١١/ ١٧٤؛ وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٠؛ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩؛ ومعجم البلدان ٢/ ٣١ (تستر).
(٣) بغية الطلب ٣/ ١١٣٤.
(٤) معجم البلدان ٢/ ٣١ (تستر)؛ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٢٩.
(٥) تلبيس إبليس ص ٢٠٧.
(٦) تفسير التستري ص ٤٥.
(٧) من التراث الصوفي ص ١٠٢.
[ ٥ ]