قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] قال سهل: فعلى مقدار النور الذي قسمه الله تعالى له يجد هداية قلبه وبصيرته، فظهر على صفاته أنوار نوره، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فالقرآن حبل الله بين الله وبين عباده، من تمسك به نجا، لأن الله تعالى جعل القرآن نورا وقال: ﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ومعنى جعلنا: بيّنّا ما فيه من محكم ومتشابه، وحلال وحرام، وأمر ونهي، كما قال الله ﷿:
_________________
(١) نوادر الأصول ٣/ ٦٤.
(٢) جاء في المصدر السابق: (المهتر إذا نطق يشبه كلامه كلام من لم يستعمله عقله، لأن العقل يخرج الكلام على اللسان بتدبير وتؤدة وتأن، وهذا المهتر إنّما ينطق به، فكأنه الماء على لسانه يجري، حتى يشبه الهذيان في بعض أحواله، وهو في الباطن مع الله تعالى من أصفى الناطقين وأصدقهم. والمهتر في اللغة: الشيخ الكبير الذي قد أفند عقله …).
(٣) شعب الإيمان ١/ ٤٥١.
[ ١٧ ]
﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أي بينّاه بلسان عربي مبين، يعني بحروف المعجم التي بينها الله لكم، بها تعرفون ظاهرا وباطنا. وقال الله تعالى: ﴿وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] يعني القرآن الذي قلب النبي ﷺ معدنه. قيل له: ما معنى قوله: «القرآن حبل الله بين الله وبين عباده»؟ قال: لا طريق لهم إليه إلاّ به، وبفهم ما خاطبهم فيه للمراد منهم به، والعمل بالعلم لله مخلصين فيه، والاقتداء بسنة محمد ﷺ المبعوث إليهم، كما قال تعالى:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] يعني من يطع الرسول ﷺ في سنته فقد أطاع الله في فرائضه.
وقال ابن عباس (^١) ﵄: أنزل الله تعالى القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم نجّمه الله تعالى على النبي ﷺ خمس آيات وأقل وأكثر (^٢). قوله ﷾:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٧] وقال ابن عباس ﵄: لم ينزل القرآن في شهر ولا في شهرين، ولا في سنة ولا في سنتين، بل كان بين نزول أوله ونزول آخره عشرون سنة أو ما شاء الله من ذلك، وذلك لأن لإسرافيل مكانا في العرش خافض بصره وحوله الملائكة السّفرة الكرام البررة ولوح من زمرّد، فإذا أراد الله أمرا كان في ذلك اللوح، فقرع ذلك جبينه ينظر ما فيه، فبعث الرسل، فذلك قوله: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] لأن القرآن أنزل جملة واحدة على السّفرة الكرام الكاتبين، فنجّمته السّفرة الكرام الكاتبون على جبريل ﵇ عشرين سنة، فنجّمه جبريل ﵇ على النبي ﷺ كذلك (^٣)، فقال المشركون: لولا نزل الله عليه القرآن جملة واحدة، فقال الله تعالى: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] أي ليكون ذلك جوابا لما يسألونك عنه. إذ لو أنزلناه جملة واحدة لم يكن عندك جواب سؤالهم. وقال سهل: أنزل الله القرآن على خمسة أخماس؛ خمس محكم وخمس متشابه وخمس حلال وخمس حرام وخمس أمثال. فالمؤمن العارف بالله تعالى يعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، ويحلّ حلاله،
_________________
(١) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي (٣ ق هـ - ٦٨ هـ): حبر الأمة، الصحابي الجليل، نشأ في بدء عصر النبوة. روى الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ، وشهد مع علي الجمل وصفين. (الإصابة: ت ٤٧٧٢ والحلية ١/ ٣١٤).
(٢) البرهان في علوم القرآن ١/ ١٢٨؛ والإتقان ١/ ١٤٦، ١٥٦؛ وفي شعب الإيمان ٢/ ٣٣١ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (تعلموا القرآن خمسا خمسا، فإن جبريل ﵇ نزل القرآن على النبي ﷺ خمسا خمسا).
(٣) الإتقان ١/ ١٤٧.
[ ١٨ ]
ويحرّم حرامه، ويعقل أمثاله (^١)، كما قال: ﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] أي أهل العلم بالله تعالى والمعرفة به خاصة.
قال سهل: في القرآن آيتان ما أشدّهما على من يجادل في القرآن، وهما قوله تعالى: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] أي يماري في آيات الله ويخاصم بهوى نفسه وطبع جبلّة عقله، قال تعالى: ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي لا مراء في الحج. والثانية قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦].
قال النبي ﷺ: «معاشر الناس، لا تجادلوا في القرآن فإن جادل به المؤمن المهتدي أصاب، وإن جادل به المنافق المفتري أقام حجّة بالقياس والهوى بغير صواب».
وقال النبي ﷺ: «شرار عباد الله يتبعون شرار المسائل ليمتحنوا بها عباد الله أعناتا» (^٢).
والله تعالى خصمهم يوم القيامة، لأن كل سائل مسئول يوم القيامة ما أردت به.
وقال سهل: العجب كل العجب لمن قرأ القرآن ولم يعمل به، ولم يجتنب ما نهاه الله عنه، أما استحيا من الله ومحاربته ومخالفته وأمره ونهيه بعد علمه به؟ فأي شيء أعظم من هذه المحاربة؟ ألم يسمع وعده ووعيده؟ ألم يسمع ما وعد الله به من النكال فيرحم نفسه ويتوب؟ ألم يسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] فيجهد في الإحسان؟ ألم يسمع قوله: «ورحمتي سبقت عذابي» فيرغب في رحمته.
وقال سهل: اللهم أنت أكرمتهم بالموهبة الجميلة، وخصصتهم بهذه الفضيلة، اللهم فاعف عنا وعنهم، ثم قال: إن الله تعالى ما استولى وليا من أمة محمد ﷺ إلاّ علّمه القرآن إما ظاهرا وإما باطنا، قيل له: إن الظاهر نعرفه، فالباطن ما هو؟ قال: فهمه، وإن فهمه هو المراد. قال أبو بكر السّجزي: سمع مني هذه الحكاية الجنيد (^٣) فقال: صدق سهل، كان عندنا ببغداد عبد أسود عجميّ اللسان، نسأله عن القرآن آية آية، فيجيبنا عن ذلك بأحسن جواب، وهو لا يحفظ القرآن، وتلك دلالة ولايته.
_________________
(١) في المستدرك على الصحيحين ٢/ ٣١٧: ( ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال. فأحلوا حلاله …).
(٢) المدخل إلى السنن الكبرى ص ٢٣٠، رقم ٣٠٧؛ وجامع العلوم والحكم ص ٩٣.
(٣) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز (ت ٢٩٧ هـ ٩١٠ م): صوفي، من علماء الدين، مولده ونشأته ووفاته ببغداد. أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد. من آثاره: «رسائل»، و«دواء الأرواح». (الحلية ١٠/ ٢٥٥؛ وتاريخ بغداد ٧/ ٢٤١).
[ ١٩ ]
قال سهل: روي عن ابن مسعود (^١) رضي الله تعالى عنه أنه قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبصيامه إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يتكلمون، فينبغي أن يكون حامل القرآن باكيا حزينا حكيما عالما، لا جافيا ولا غائلا (^٢)، يعني أن لا يكون كذابا. قال سهل: أخبرني محمد بن سوار (^٣) أنه حج سنة من السنين فرأى أيوب السّختياني (^٤) قد ابتدأ بأول القرآن مصليا، وإذا بناحية منه رجل من أهل البصرة مستقبل الكعبة قد ابتدأ بسورة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وهو يردد قوله تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] قال: فبلغ أيوب السختياني إلى ثلثي القرآن وذلك الرجل يردد هذه الآية، فلما كان عند السحر بلغ أيوب «الفيل»، وانتهى الرجل إلى قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] وغشي عليه، فتقدمنا إلى الرجل فوجدناه ميتا.
وقد اختلف الناس في طلب فهم القرآن، فقوم طلبوا فهم القرآن بتكرار درسه ليستخرجوا فهم ظاهر أحكامه، فمنهم مقلّ ومنهم مكثر عالم عامل لله تعالى بمنازل الجنة، وعامل لله تعالى إيجابا، وعالم به لا عامل له، وقوم طلبوه لحفظ التلاوة والتعليم لغيره، منهم سليم في فعله، ومنهم مغتر بربه، ورجل كثير الدرس له ومراده تعلم طلب الألحان، ويريد أن يشار إليه، ويكسب من حطام الدنيا، فهو من أخسر الثلاثة عند الله تعالى. قال سهل: وأخبرني محمد بن سوار عن عمرو بن مرداس (^٥) عن أبي هريرة (^٦) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي (… - ٣٢ هـ): صحابي، من أكابرهم فضلا وعقلا، من السابقين إلى الإسلام. كان خادم رسول الله الأمين وصاحب سره. ولي بيت مال الكوفة. (الإصابة ت ٤٩٥٥؛ والحلية ١/ ١٢٤).
(٢) شعب الإيمان ٢/ ٢٩٠ (رقم ١٨٠٧)؛ وكتاب الزهد لابن أبي عاصم ص ١٦٢؛ ونسب هذا القول إلى سفيان الثوري في المدخل إلى السنن الكبرى ص ٣٣٩ (رقم ٥٥٧).
(٣) محمد بن سوار: يقال إنه كان خال سهل بن عبد الله التستري. روي عن ابن عيينة، وعنه سهل. (تهذيب التهذيب ٩/ ١٨٦).
(٤) أيوب السختياني: أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري، أبو بكر (٦٦ - ١٣١ هـ): سيد فقهاء عصره. تابعي، من النساك الزهاد، من حفاظ الحديث. كان ثبتا ثقة. (الحلية ٣/ ٣).
(٥) عمرو بن مرداس: من رواة الحديث عن بلال وأبي هريرة. (الإصابة ت ٦٥١٥).
(٦) أبو هريرة: عبد الرحمن بن صخر الدوسي (٢٠ ق هـ - ٥٩ هـ): صحابي، كان أكثر الصحابة حفظا للحديث ورواية له. لزم صحبة النبي ﷺ. ولي إمرة المدينة مدة، ثم البحرين. (الإصابة، الكنى ت ١١٧٩؛ والحلية ١/ ٣٧٦).
[ ٢٠ ]
«اقرءوا القرآن بلحون العرب من غير تكلف لغيرها، ولا تقرءوه بلحون أهل الكنائس والبيع وأهل الأهواء والبدع، فإني وأمتي الأتقياء براء من التكلف، وإنه سيأتي أقوام من بعدي يرجّعون فيه أصواتهم ترجع القينات بالأغاني، مفتونة قلوبهم فتانة لقلب السامع، أولئك هم الغافلون» (^١). قال سهل: وإني أخاف بعد ثلاثمائة إلى ما فوقها أن يندرس القرآن بالتشاغل بالألحان والقصائد والأغاني، قيل له: وكيف ذلك يا أبا محمد؟ فقال: لأنهم ما أحدثوا هذه الألحان والقصائد والأغاني إلاّ للتكسّب بها، حتى ملك إبليس قلوبهم، كما ملك قلوب شعراء الجاهلية، وحرموا فهم القرآن والعمل لله به. وقد حكى محمد بن سوار عن ابن أبي ذئب (^٢) عن محمد بن عبد الرحمن (^٣) عن ثوبان (^٤) أنه سمع النبي ﷺ يقول: «سماع الأغاني ينسي القرآن ويشغل عن الذكر». قال أبو بكر: كان أبو سعيد الخراز (^٥) مقيما بمكة، وكان من أشد الناس محبة للسماع من قصائد الجذل وأشعار الغزل، فأخبرني غلامه أبو الأذنين أنه رآه بعد موته في المنام، وقال له: ما فعل الله بك يا أبا سعيد؟ فقال: غفر لي بعد توبيخ وددت أنه أمر بي إلى النار ولم يوبخني. فقلت له: ولم ذلك؟ قال: أوقفني الحق بين يديه من وراء حجاب الخوف، وقال لي: حملت أمري على ليلى وسعدى، ولولا أنك وقفت لي وقفة أردتني بها لأمرت بك إلى النار، فلما أن زال حجاب الخوف إلى حجاب الرضا قلت: يا إلهي لم أجد من يحمل عني ما حملتني غيرك فأشرت إليك، قال: صدقت، وأمر بي إلى الجنة، والله أعلم.
_________________
(١) نوادر الأصول ٣/ ٢٥٥؛ وشعب الإيمان ٢/ ٥٤٠ (رقم ٢٦٤٩)؛ ومجمع الزوائد ٧/ ١٦٩؛ والمعجم الأوسط ٧/ ١٨٣.
(٢) ابن أبي ذئب: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، من بني عامر (٨٠ - ١٥٨ هـ): تابعي، من رواة الحديث من أهل المدينة، كان يفتي بها. (الأعلام ٦/ ١٨٩).
(٣) محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي بالولاء (… - ١٢٣ هـ): مقرئ أهل مكة بعد ابن كثير، وأعلم قرائها بالعربية، كان لا بأس به في الحديث. (الأعلام ٦/ ١٨٩).
(٤) ثوبان بن يجدد، أبو عبد الله (… - ٥٤ هـ): مولى رسول الله ﷺ، اشتراه النبي ثم أعتقه، فلم يزل يخدمه إلى أن مات، فخرج ثوبان إلى الشام، واستقر بحمص، وتوفي بها. (الأعلام ٢/ ١٠٢).
(٥) أبو سعيد الخراز: عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم بن البرقي (… - ٢٨٦ هـ): شيخ الصوفية، وراوي السيرة. قال السلمي: هو إمام القوم في كل فن من علومهم. (سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤٢٠؛ وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٧). وثمت رجل آخر اسمه أبو سعيد الخراز، وهو أحمد بن عيسى البغدادي الصوفي (… - ٢٧٧ أو ٢٨٦ هـ) من كبار شيوخ الصوفية، وأحد المذكورين بالورع والمراقبة، وحسن الرعاية والمجاهدة. (تاريخ بغداد ٤/ ٢٧٦).
[ ٢١ ]