﷽
اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
أخبرنا الشيخ الواعظ أبو نصر أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي النصر البلدي إجازة عليه، شافهني بها في دارة يوسف أن جدّه الإمام أبا بكر محمد بن أحمد البلدي أخبره قال: حدثنا الفقيه أبو نصر أحمد بن علي بن إبراهيم الطائفي الصفّار قال: حدثنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن الحسن الوضّاحي، حدثنا أبو العباس عبد الرحمن بن الحسن بن عمر البلخي ببلخ في سكة ساسان، وقال أبو يوسف أحمد بن محمد بن قيس السجزي:
سمعت أبا محمد بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى في سنة خمس وسبعين ومائتين يقول:
حدثنا محمد بن سوّار عن أبي عاصم النبيل عن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ فيم النجاة غدا؟ فقال: «عليك بكتاب الله ﷿، فإنّ فيه نبأ من كان قبلكم وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم من دينكم الذي تعبدكم به الله ﷿، به تصلون إلى المعرفة، ومن يرد الهدى في غيره يضلّه الله، هو أمر الله الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الشفاء النافع، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا﴾ (^١) [الجن: ١ - ٢].
هو الذي ظاهره أنيق وباطنه عميق، وهو الذي يعجز عنه كل فهم لقول الله تعالى:
﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٠] فسأله رجل عن علم الله تعالى في عباده: هل هو شيء بدا له من بعد ما خلقهم، أو كان من قبل أن يخلقوا؟ فقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] أي كتاب محكم ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] قبل أن يخلقوا
_________________
(١) سنن الترمذي: باب ما جاء في فضل القرآن، حديث رقم ٢٩٠٦، وسنن الدارمي: حديث رقم ١٣٣١، وشعب الإيمان ٢/ ٣٢٦ (رقم ٨٣٦)، ٣/ ٧١ (رقم ١٩٣٥)، ومصنف ابن أبي شيبة، حديث ٣٠٠٠٧.
[ ١٥ ]
وأن الله ﷿ فرغ من علم عباده وما يعملون قبل أن خلقهم، ولم يجبرهم على المعصية، ولا أكرههم على الطاعة، ولا أهملهم من تدبيره، بل نبه على ما تواعد به من كذب بقدره فقال:
﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] على وجه التهدد، إذ لا حول لهم ولا قوة إلاّ بما سبق علمه فيهم أنه سيكون منه بهم، ولهم قال الله تعالى: ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١] فالخير من الله تعالى أمر، وإليه الولاية فيه، والشر من الله نهي، وإليه العصمة فيه.
قال سهل ﵁: وما من آية في القرآن إلاّ ولها أربعة معان، ظاهر وباطن وحدّ ومطلع، فالظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحد حلالها وحرامها، والمطلع إشراف القلب على المراد بها فقها من الله ﷿. فالعلم الظاهر علم عام، والفهم لباطنه، والمراد به خاص، قال تعالى: ﴿فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] أي لا يفقهون خطابا.
قال سهل: فلا بد للعبد من مولاه، ولا بد له من كتابه، ولا بد له من نبيه ﷺ، إذ قلبه معدن توحيده، وصدره نور من جوهره أخذ قواه من معدنه إلى هيكله، فمن لم يكن عنده شيء يتبع به أو أضرب عنه كذلك لم تكن الجنة منزلا له، وإذا لم يكن الله معه وناصره فمن معه، وإذا لم يكن القرآن إمامه، ولم يكن النبي ﷺ له شافعا من يشفع له، وإذا لم يكن في الجنة فهو في النار.
وقوله: «صدره نور» أي موضع النور. «من جوهره»: وهو أصل محل النور في الصدر الذي منه ينتشر النور في جميع الصدر. وإضافة الجوهر إلى الله تعالى ليس المراد ذاته، وإنما هي على طريق الملك. «أخذ قواه»: يعني قوى النور من معدنه، وهو الصدر وما حل مصدق. «إلى هيكله»: يعني إلى جوارحه، وإنما عنى بها نور الطاعات التي في الجوارح، فمن لم يكن عنده شيء من الهداية سمع به، أي فهم به.
وقال النبي ﷺ: «القرآن شافع مشفّع وما حل مصدق، فمن شفع له القرآن نجا، ومن محل به هلك» (^١). وقال سهل: إن الله تعالى أنزل القرآن على نبيه ﷺ، وجعل قلبه معدنا لتوحيده والقرآن، فقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] وكلفه تبليغه والبيان عنه ليعلم المؤمنون به ما أنزل إليهم، فمن آمن به وعلم تبيانه وعمل بحكمه كان كامل الإيمان لله تعالى، ومن آمن به وقرأه ولم يعمل بعلم ما فيه لم يكمل أجره. والناس في قراءة القرآن على ثلاثة مقامات؛ فقوم أعطوا الفهم بقيامهم بأداء الأمر واجتناب النهي من
_________________
(١) نوادر الأصول ٣/ ٢٦٠.
[ ١٦ ]
الظاهر والباطن، وصدقهم فيه بنور بصيرة اليقين، وهو سكون القلب إلى الله تعالى في كل حال وعلى كل حال، فليس لهؤلاء همة في الألحان ولا في التطريب بطيبة الصوت تكلفا، إنما همهم التفهّم وطلب المزيد من الله تعالى فهما لأمره ونهيه. والمراد من أحكام فرضه وسنة نبيه ﷺ، فهم بعلمه عاملون، وبالله مستعينون، وعلى آدابه صابرون كما أمرهم بقوله: ﴿اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨] أي استعينوا بالله على أمر الله بالسنة فرضا، أي سنة الله، واصبروا على آدابه باطنا وظاهرا، كي يكسبكم فهما وفطنة. والمراد منه تفضلا لا يبالون بطيب حنجرة الأصوات، فهم الذين أعطاهم الله تعالى فهم القرآن، هم خاصة الله وأولياؤه، لا هم للدنيا، ولا الدنيا منهم في شيء، ولا فيما في الجنة رغبوا، أخذ منهم الدنيا فلم يبالوا، وهبها لهم فردوها كما ردها نبيهم ﷺ لمّا عرضت عليه، طرحوا أنفسهم بين يديه رضى وسكونا إليه وقالوا: لا بد لنا منك أنت أنت، لا نريد سواك، فهم المتفردون بالله كما قال النبي ﷺ: «سيروا، سبق المفردون إلى رحمة الله، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: الذين اهتروا بالذكر لله تعالى، يأتون يوم القيامة خفافا قد حط الذكر عنهم أثقالهم» (^١). قال سهل: هم المشايخ المهترون (^٢) في الذكر بالذكر لله تعالى، مجالسون كما قال النبي ﷺ: يقول الله تعالى: «أنا جليس من ذكرني حيثما التمسني عبدي وجدني» (^٣)، وقال تعالى: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥].