﴿قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ، كِفْلٌ مِنْها﴾ [٨٥] يعني الحظ منها، لأنها تمنع رضا الله تعالى. قوله: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ [٨٦] يعني زيادة على سلامه الصادر بالنصح لله تعالى. وقال النبي ﷺ: «السلام اسم من أسماء الله تعالى أظهره في أرضه، فأفشوه بينكم» (^١).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ [٨٨] يعني أعادهم إلى ما جبلت عليه أنفسهم من الجهل به. وقال ﵊: «لا تستنجوا بعظم ولا روث فإنه ركس» (^٢)، يعني رجع من حاله الأول إلى أن صار طعام الجن. ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ [٨٨] معشر المخلصين ﴿أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ [٨٨] قال سهل: الإضلال من الله ترك العصمة عما نهى عنه، وترك المعونة على ما أمر به.
قوله تعالى: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [٩٠] أي ضاقت قلوبهم عن قتالكم وقتال قومهم، لحبهم السلامة وركونهم إلى العافية، وهم بنو مدرج.
قوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ [١٠٥] يعني بما علمك الله تعالى من الحكمة في القرآن وشرائع الإسلام.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا﴾ [١١٧] يعني أصواتا وهو الحجارة والحديد.
قوله ﷿: ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ [١٢١] يعني معدلا.
قوله:
﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [١٣٩] يعني المنافقين يبتغون عند اليهود المنعة والقوة، ألا ترى إلى قوله ﵊: «ما نزل من السماء شيء أعز من اليقين» (^٣) أي أمنع وأعظم.
قوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [١٤١] يعني نغلب ونستولي عليكم. قوله: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [١٤٢] أي يسرع لهم الجزاء على إظهار الإيمان وإضمار الكفر بترك العصمة والتوفيق، وتمديد الأموال والبنين، والإطراق على عاجل الدنيا، وخاتمتهم النار، فهذا هو المراد من قوله: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [١٤٢]. قال سهل في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] أراد به سرعة مجازاتهم على الإقامة والنفي، فسمى قوله باسم فعلهم. وقد أخبر عنهم بالعجب في مواضع، قال في قوله في قل أوحي: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] وفي ق: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ [ق: ٢] وفي ص: ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وقد ذكر في الصافات: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] أي رأيت جزاءهم عظيما، فسمى تعظيم الثواب عجبا، لأن المتعجب إنما يتعجب من أمر بلغ نهايته، فهذا هو المراد من قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ [الصافات: ١٢].
_________________
(١) في صحيح البخاري: كتاب صفة الصلاة، رقم ٧٩٧؛ والمعجم الكبير ١٠/ ٨٢ (١٠٣٩١)؛ والمعجم الصغير ١/ ١٥٣ (٢٠٣)؛ والمعجم الأوسط ٣/ ٢٣١ (٣٠٠٨)﴾: (إن الله هو السلام).
(٢) صحيح البخاري: كتاب الوضوء، رقم ١٥٤ - ١٥٥.
(٣) نوادر الأصول ٣/ ١٦٩.
[ ٥٥ ]
وقد حكي أن شقيقا قرأ على شريح: «بل عجبت» (^١) فقال له شريح: «بل عجبت» إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم (^٢). قال شقيق: فأخبرت به إبراهيم فقال: إن شريحا يعجبه علمه، وإن ابن مسعود أعلم منه، وكان يقرأ: «بل عجبت» بالضم.
﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [١٤٢] فهذه من علامات المنافقين، حيث خانوا في هذه الأمانة التي تحمّلوها في الظاهر، واعلم أن لله تعالى أمانة في سمعك وبصرك ولسانك وفرجك، وظاهرك وباطنك، عرضها عليك، فإن لم تحفظها خنت الله، و﴿اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. وقد حكي عن أبي حبان أنه قال: ارتحلت إلى مكة وجئت سعيد بن جبير (^٣) فقلت له: جئتك من خراسان في تأويل قوله ﵊: «علامة المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» (^٤). ولا أرى أنها في نفسي، فتبسم سعيد وقال: وقع في سري ما وقع في سرك، فأتيت علي بن أبي طالب (^٥) وعبد الله بن عباس ﵄ وقت القيلولة، فوجدتهما عند البيت، فسألتهما عن تأويل هذا الحديث فتبسما، وقالا: لقد أشكل علينا ما أشكل عليك، فذهبنا إلى النبي ﷺ وقت القيلولة، فأذن لنا فذكرنا له ﷺ هذا، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «ألستما على شهادة أن لا إله إلاّ الله؟ قلنا: بلى. فقال: هل رجعتما عن ذلك؟ فقلنا: لا. قال: لقد قلتما وصدقتما. ثم قال: ألستما على ما قررتكما عليه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث؟ قلنا: نعم، كأنها رأي العين. فقال ﷺ: هذا من الإنجاز. ثم قال ﷺ: ألستما تصليان وتسجدان في الصلاة في الخلوة؟ فقلنا: نعم. فقال: هي الأمانة لا خيانة فيها».
_________________
(١) معجم القراءات القرآنية ٤/ ١٩٧، القراءة رقم ٧٣٧٦، وذكر من مصادر القراءة: النشر ٢/ ٣٥٦؛ والبحر المحيط ٧/ ٣٥٤؛ والكشاف ٣/ ٣٣٧.
(٢) في معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٣٠٠: (ومن قرأ «عجبت» فهو إخبار عن الله، وقد أنكر قوم هذه القراءة، وقالوا: الله ﷿ لا يعجب. وإنكارهم هذا غلط … والعجب من الله، خلافه من الآدميين، كما قال: «ويمكر الله» [الأنفال: ٣٠] و«سخر الله» [التوبة: ٧٩]، و«هو خادعهم» [النساء: ١٤٢]. والمكر من الله والخداع خلافه من الآدميين …).
(٣) سعيد بن جبير الأسدي، بالولاء، الكوفي (٤٥ - ٩٥ هـ): تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق. أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر. قتله الحجاج لخروجه على عبد الملك بن مروان. (الحلية ٤/ ٢٧٢).
(٤) صحيح البخاري: كتاب الإيمان، حديث رقم ٣٣؛ وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، حديث رقم ١٢٤.
(٥) ثمت شك في هذه الرواية، لأن علي بن أبي طالب قتل سنة ٤٠ هـ، أي قبل ولادة سعيد بن جبير.
[ ٥٦ ]