هو القرآن، وهو الكتاب، وهو الفرقان، وهو الذّكر، فالقرآن: مصدر من قولك: قرأ الرّجل، إذا تلا، يقرأ قرآنا وقراءة.
/ وقال قتادة: القرآن: معناه التأليف، قرأ الرجل إذا جمع وألّف قولا، وبهذا فسر قتادة قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[القيامة: ١٧] أي: تأليفه «٤»، والقول الأول
_________________
(١) بالقرآن، وله رواية عن النبي ﷺ كثيرة توفي سنة ٤٢ أو ٤٤ وله نيف وستين سنة. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٦/ ٣٠٦)، «الإصابة» (٤/ ١١٩)، «الاستيعاب» (٤/ ١٧٦٢)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٢٠٦)، «الأنساب» (١/ ٢٦٦)، «الكنى والأسماء» (١/ ٥٧)، «تذكرة الحفاظ» (١/ ٢٣) .
(٢) ينظر: الطبري (١/ ٣١) (١)، وقد ذكره السيوطي في «الدر» (٦/ ٢٦١)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه الطبري (١/ ٣١) (٤)، وذكره السيوطي في «الدر» (٦/ ٤٦١)، وعزاه لابن أبي حاتم.
(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥١) .
(٥) أخرجه الطبري (١/ ٦٨) (١١٩)، وذكره السيوطي في «الدر» (٦/ ٤٦٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.
[ ١ / ١٥٠ ]
أقوى أن القرآن مصدر من قرأ إذا تلا، ومنه قول حسّان بن ثابت «١» يرثي عثمان بن عفّان «٢» ﵁: [البسيط]
ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به يقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا
«٣» أي: وقراءة.
وأما الكتاب، فهو مصدر من كتب، إذا جمع ومنه قيل: كتيبة لاجتماعها ومنه قول الشاعر: [البسيط]
واكتبها بأسيار «٤»
_________________
(١) هو: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار.. أبو الوليد، وأبو المضرب، وأبو الحسام، وأبو عبد الرحمن الأنصاري. الخزرجي. النجاري. شاعر النبي ﷺ. وهو صحابي شهير، وقد جاء في الصحيحين عن البراء أن النبي ﷺ قال لحسان: «اهجهم» أو «هاجهم، وجبريل معك» . وفاته: قيل: توفي قبل الأربعين وقيل غير ذلك. ينظر ترجمته في: «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ١٢٩)، «الاستيعاب» (١/ ٣٤١)، «أسد الغابة» (٢/ ٥)، «الإصابة» (٢/ ٨)، «الثقات» (٣/ ٧١)، «تقريب التهذيب» (١/ ١٦١)، «تهذيب التهذيب» (٢/ ٢٤٧)، «تهذيب الكمال» (١/ ٢٤٨)، «الجرح والتعديل» (٣/ ١٠٢٦)، «شذرات الذهب» (١/ ٤١) . []
(٢) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس. أبو عبد الله وأبو عمرو. القرشي. الأموي. ذو النورين. أمير المؤمنين. ولد بعد عام الفيل بست سنين. وهو ثالث الخلفاء الراشدين ومجهز جيش العسرة، وهو الذي تستحي منه ملائكة الرحمن، وهو المقتول ظلما، غني عن التعريف، كتبت في سيرته الكتب، وتغير وجه التاريخ بمقتله، والله سبحانه نسأل العودة إلى أصل الإسلام الصافي قبل الممات بفضله آمين. توفي يوم ٢٢ ذي الحجة سنة ٣٥ وقيل: غير ذلك. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٥٨٤)، «الإصابة» (٤/ ٢٢٣)، «الزهد» لوكيع (٥٢١)، «التبصرة والتذكرة» (١/ ١٣١)، «التعديل والتجريح» (١٠٤٣)، «بقي بن مخلد» (٢٨) .
(٣) وهو في «ديوانه» ص ٢١٦، و«لسان العرب» (عنن)، و(ضحا)، و«الدر المصون» (١/ ٤٦٦)، والذهبي في «التاريخ» كما في «خزانة الأدب» (٩/ ٤١٨)، ونسبه البغدادي لأوس بن مغراء، وكذلك في المقاصد النحوية (٤/ ١٧)، ولكثير بن عبد الله النهشلي في «الدرر» (٥/ ٢١٤)، وبلا نسبة في «إصلاح المنطق» ص ٢٩٠. وللبيت رواية أخرى لصدره، وهي: هذا سراقة للقرآن يدرسه. وقوله: «ضحّوا» البيت أي: ذبحوه كالأضحية وذلك أنهم قتلوه في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة. والشّمط: بياض الشعر من الرأس يخالط سواده. وكأنه قال: بأشمط ظاهر الخير.
(٤) هذا جزء من عجز بيت، وهو: لا تأمنن فزاريا خلوت به على بعيرك
[ ١ / ١٥١ ]
أي: اجمعها.
وأما الفرقان، فهو أيضا مصدر لأنه فرق بين الحقّ والباطل، والمؤمن والكافر فرقانا وفرقانا.
وأما الذّكر فسمي بذلك لأنه ذكر به الناس آخرتهم وإلاههم، وما كانوا في غفلة عنه، فهو ذكر لهم، وقيل: سمي بذلك، لأن فيه ذكر الأمم الماضية، والأنبياء، وقيل:
سمي بذلك لأنه ذكر وشرف لمحمّد ﷺ وقومه وسائر العلماء به.
وأما السّورة، فإن قريشا كلّها ومن جاورها من قبائل العرب كهذيل، وسعد بن بكر، وكنانة يقولون: سورة بغير همز، وتميم كلها وغيرهم يهمزون.
فأما من همز، فهي عنده كالبقيّة من الشيء، والقطعة منه التي هي سؤر وسؤرة من أسأر، إذا أبقى ومنه سؤر الشراب. وأما من لا يهمز، فمنهم من يراها من المعنى المتقدّم إلا أنها سهلت همزتها، ومنهم من يراها مشبهة بسورة البناء، أي: القطعة منه لأن كل بناء فإنما بني قطعة بعد قطعة، فكل قطعة منها سورة، فكان سور القرآن هي قطعة بعد قطعة حتى كمل منها القرآن، ويقال أيضا للرتبة الرفيعة من المجد والملك: سورة ومنه قول النابغة الذبيانيّ «١» للنعمان بن المنذر «٢» [الطويل]:
_________________
(١) والبيت منسوب لسالم بن دارة الفزاري في «الكامل» (٩٨٨)، و«خزانة الأدب» (٥/ ٥٣١)، وفيها «على قلوصك»، «شرح ديوان الحماسة» للتبريزي (١/ ٢٠٥)، وبلا نسبة في «اللسان» (كتب)، و«تاج العروس» (٤/ ١٠٣) . وللبيت رواية أخرى كما في «شرح ديوان الحماسة»، وهي: وإن خلوت به في الأرض وحدكما فاحفظ قلوصك واكتبها بأسيار وقصة البيت أن بني فزارة كانت ترمى بغشيان الإبل، فهجاهم سالم بقصيدة مطلعها: يا صاحبيّ ألمّا بي على الدار بين الهشوم وشطي ذات أمّار.
(٢) زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني، الغطفاني المضري أبو أمامة، شاعر جاهلي. وكان الأعشى وحسان والخنساء ممن يعرض شعره على النابغة، كان أحسن شعراء العرب ديباجة، عاش عمرا طويلا. توفي في (١٨) ق هـ. ينظر: «شرح شواهد المغني» (٢٩)، «معاهد التنصيص» (١/ ٢٣٣)، «الأغاني» (١١/ ٣)، و«جمهرة» (٥٢٤٢٦)، و«نهاية الأرب» (٣/ ٥٩)، و«الشعر والشعراء» (٣٨)، «الأعلام» (٣/ ٥٤) .
(٣) النعمان الثالث بن المنذر الرابع بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، أبو قابوس، من أشهر ملوك «الحيرة» في الجاهلية. كان داهية مقداما. وهو ممدوح النابغة الذبياني، وحسان بن ثابت، وحاتم الطائي. وهو صاحب إيفاد العرب على كسرى، وباني مدينة «النعمانية» على ضفة دجلة اليمنى، وصاحب يومي البؤس والنعيم. توفي سنة (١٥) قبل الهجرة.
[ ١ / ١٥٢ ]
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ترى كلّ ملك دونها يتذبذب «١»
فكأن الرتبة انبنت حتى كملت.
وأما الآية، فهي العلامة في كلام العرب، ولما كانت الجملة التامة من القرآن علامة على صدق الآتي بها، وعلى عجز المتحدّى بها، سميت آية، هذا قول بعضهم، وقيل:
سميت آية لما كانت جملة وجماعة كلام كما تقول العرب: جئنا بآيتنا، أي: بجماعتنا، وقيل: لما كانت علامة للفصل بين ما قبلها وما بعدها، سمّيت آية.
ت: وقوله ﷺ في الصحيح: «آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب »
الحديث «٢»، و«آية الإيمان حبّ الأنصار «٣»، وآية ما بيننا وبين المنافقين شهود العشاء» يقوّي القول الأول، والله أعلم، وهذا هو الراجح في مختصر الطبريّ، قال: والآية العلامة، وذلك أظهر في العربية والقرآن، وأصحّ القول أن آيات القرآن علامات للإيمان، وطاعة الله تعالى، ودلالات على وحدانيته وإرسال رسله، وعلى البعث والنشور، وأمور الآخرة، وغير ذلك ممّا تضمّنته علوم القرآن. انتهى.
_________________
(١) انظر: «حمزة الأصفهاني» (٧٣- ٧٤)، «الصحاح» (٢/ ٣٤٠)، «ابن خلدون» (٢/ ٢٦٥)، «الأعلام» (٨/ ٤٣) .
(٢) البيت في ديوانه (٢٨)، «ديوان المعاني» (١/ ١٦)، و«المصون» (١٥٤)، و«البحر المحيط» (١/ ٢٤٢)، و«تفسير القرطبي» (١/ ٦٥)، و«الدر المصون» (١/ ١٥٣)، «اللسان» (سور) (٣/ ٢١٤٨) . والمعنى: أعطاك رفعة وشرفا ومنزلة، وجمعها (سور)، أي: رفع.
(٣) أخرجه البخاري (١/ ١١١)، كتاب «الإيمان»، باب علامة المنافق، حديث (٣٣)، و(٥/ ٣٤١- ٣٤٢)، كتاب «الشهادات»، باب من أمر بإنجاز الوعد، حديث (٢٦٨٢)، (٥/ ٤٤١)، كتاب «الأدب»، باب قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، حديث (٦٠٩٥)، ومسلم (١/ ٧٨)، كتاب «الإيمان»، باب بيان خصال المنافق، حديث (٩٥/ ١٠٧)، والترمذي (٥/ ١٩)، كتاب «الإيمان»، باب ما جاء في علامة المنافق، حديث (٢٦٣١)، والنسائي (٨/ ١١٧)، كتاب «الإيمان»، باب علامة المنافق، وأحمد (٢/ ٣٥٧، ٣٩٧، ٥٣٦)، وأبو عوانة (١/ ٢٠، ٢١)، وأبو يعلى (١١/ ٤٠٦)، رقم (٦٥٣٣)، وابن الجوزي في «مشيخته» (ص ٥٩) من طرق، عن أبي هريرة به.
(٤) أخرجه البخاري (٧/ ١٤١)، كتاب «مناقب الأنصار»، باب حب الأنصار من الإيمان، حديث (٣٧٨٤)، ومسلم (١/ ٨٥)، كتاب «الإيمان»، باب الدليل على أن حب الأنصار من الإيمان، حديث (٧٤/ ١٢٨)، والنسائي (٨/ ١١٦)، كتاب «الإيمان»: باب علامة الإيمان، وأبو يعلى (٧/ ١٩٠- ١٩١)، رقم (٤١٧٥)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٢٤٠- بتحقيقنا)، من حديث أنس مرفوعا.
[ ١ / ١٥٣ ]