هذه السورة مدنيّة نزلت في مدد شتّى، وفيها آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ،
_________________
(١) هذه السورة مترامية أطرافها، وأساليبها ذات أفنان، قد جمعت من وشائج أغراض السور ما كان مصداقا لتلقيبها فسطاط القرآن. فلا تستطيع إحصاء محتوياتها بحسان. وعلى الناظر أن يترقب تفاصيل منها فيما يأتي لنا من تفسيرها، ولكن هذا لا يحجم بنا عن التعرض إلى لائحات منها. وقد حيكت بنسج المناسبات والاعتبارات البلاغية من لحمة محكمة في نظم الكلام، وسدى متين من فصاحة الكلمات. ومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين: قسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصول تطهيره النفوس، وقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم. وكان أسلوبها أحسن ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب الخطابية وأساليب الكتب التشريعية وأساليب التذكير والموعظة. يتجدد بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين، ويحضر لنا من أغراضها أنها ابتدئت بالرمز إلى تحدي العرب المعاندين تحديا إجماليا بحروف التهجي المفتتح بها رمزا يقتضي استشرافهم لما يرد بعده، وانتظارهم لبيان مقصده، فأعقب بالتنويه بشأن القرآن، فتحول الرمز إيماء إلى بعض المقصود من ذلك الرمز له أشد وقعا على نفوسهم، فتبقى في انتظار ما يتعقبه من صريح التعجيز الذي سيأتي بعد قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣] الآيات. فعدل بهم إلى ذات جهة التنويه بفائق صدق هذا الكتاب وهديه، وتخلص إلى تصنيف الناس تجاه تلقيهم هذا الكتاب وانتفاعهم بهديه أصنافا أربعة، وكانوا قبل الهجرة صنفين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك التلقي، وإذ قد كان أخص الأصناف انتفاعا بهديه هم المؤمنين بالغيب المقيمين الصلاة يعني المسلمين- ابتدئ بذكرهم، ولما كان أشد الأصناف عنادا وحقدا صنفي المشركين الصرحاء، والمنافقين، لف الفريقان لفا واحدا، فقورعوا بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة، ثم خص بالإطناب صنف أهل النفاق تشويها لنفاقهم وإعلانا لدخائلهم، ورد مطاعنهم، ثم كان خاتمة ما قرعت من أنوفهم صريح التحدي الذي رمز إليه بدءا تحديا يلجئهم إلى الاستكانة ويخرس ألسنتهم عن التطاول والإبانة، ويلقي في قرارات أنفسهم مذلة الهزيمة وصدق الرسول الذي تحداهم، فكان ذلك من رد العجز على الصدر، فاتسع المجال لدعوة المنصفين إلى عبادة الرب الحق الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، وأنعم عليهم بما في الأرض جميعا، وتخلص إلى صفة بدء خلق الإنسان فإن في ذلك تذكيرا لهم بالخلق الأول قبل أن توجد أصنامهم التي يزعمونها من صالحي قوم نوح ومن بعدهم، ومنّه على النوع بتفضيل أصلهم على مخلوقات هذا العالم وبمزيته بعلم ما لم يعلمه أهل الملأ الأعلى، وكيف نشأت عداوة الشيطان له ولنسله لتهيئة نفوس السامعين لاتهام شهواتها ولمحاسبتها على دعواتها، فهذه المنة التي شملت كل الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها كانت مناسبة للتخلص إلى منة عظمى تخص الفريق الرابع وهم أهل الكتاب الذين هم أشد الناس مقاومة لهدي القرآن، وأنفذ الفرق قولا في عامة العرب لأن أهل الكتاب يومئذ هم أهل-
[ ١ / ١٧٤ ]
وهي: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
_________________
(١) - العلم، ومظنة اقتداء العامة لهم من قوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [البقرة: ٤٠] الآيات، فأطنب في تذكيرهم بنعم الله وأيامه لهم، ووصف ما لاقوا به نعمه الجمة من الانحراف عن الصراط السوي انحرافا بلغ بهم حد الكفر، وذلك جامع لخلاصة تكوين أمة إسرائيل وجامعتهم في عهد موسى ثم ما كان من أهم أحداثهم مع الأنبياء الذين قفوا موسى إلى أن تلقوا دعوة الإسلام بالحسد والعداوة حتى على الملك جبريل وبيان أخطائهم لأن ذلك يلقي في النفوس شكا في تأهلهم للاقتداء بهم. وذكر من ذلك نموذجا من أخلاقهم في تعلق الحياة وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: ٩٦] ومحاولة العمل بالسحر وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [البقرة: ١٠٢] إلخ، وأذى النبي بموجبة الكلام لا تَقُولُوا راعِنا [البقرة: ١٠٤] . ثم قرن اليهود والنصارى والمشركين في قرن حسدهم المسلمين والسخط على الشريعة الجديدة ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ- إلى قوله- وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:
(٢) ١١٢] ثم ما أثير من الخلاف بين اليهود والنصارى، وادعاء كل فريق أنه هو المحق وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ- إلى- يَخْتَلِفُونَ [البقرة: ١١٢] ثم خص المشركين بأنهم أظلم هؤلاء الأصناف الثلاثة لأنهم منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام، وسمحوا بذلك في خرابه، وأنهم تشابهوا في ذلك هم واليهود والنصارى واتحدوا في كراهية الإسلام. والاحتراز عن إجابتها في الذين كفروا منهم، وأن الإسلام على أساس ملة إبراهيم وهو التوحيد، وأن اليهودية والنصرانية ليستا ملة إبراهيم، وأن من ذلك الرجوع إلى استقبال الكعبة، ادخره الله للمسلمين آية على أن الإسلام هو القائم على أساس الحنيفية، وذكر شعائر الله بمكة، وإبكات أهل الكتاب في طعنهم على تحويل القبلة، وإن العناية بتزكية النفوس أجدر من العناية باستقبال الجهات: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: ١٧٧] وذكروا بنسخ الشرائع لصلاح الأمم، وأنه لا بدع في نسخ شريعة التوراة أو الإنجيل بما هو خير منهما. ثم عاد إلى محاجة المشركين بآثار صنعة الله إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ [البقرة: ١٦٤] إلخ ومحاجة المشركين في يوم يتبرءون فيه من قادتهم، وإبطال مزاعم دين الفريقين في محرمات من الأكل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢] وقد كمل ذلك بذكر صنف من الناس قليل، وهم المشركون الذين لم يظهروا الإسلام ولكنهم أظهروا مودة المسلمين وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: ٢٠٤] . ولما قضى حق ذلك كله بأبدع بيان وأوضح برهان انتقل إلى قسم تشريعات الإسلام إجمالا بقوله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: ١٧٧] ثم تفصيلا: القصاص، الوصية، الصيام، الاعتكاف، الحج، الجهاد، ونظام المعاشرة والعائلة والمعاملات المالية، والإنفاق في سبيل الله والصدقات، والمسكرات، واليتامى، والمواريث، والبيوع، والربا، والديون، والإشهاد، والرهن، والنكاح، وأحكام النساء والعدة والطلاق، والرضاع، والنفقات، والأيمان. وختمت السورة بالدعاء المتضمن لخصائص الشريعة الإسلامية، وذلك من جوامع الكلم فكان هذا الختام تذليلا وفذلكة: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ [البقرة: ٢٨٤] الآيات. وكانت في خلال ذلك كله أغراض شتى سيقت في معرض الاستطراد في متفرق المناسبات تجديدا-
[ ١ / ١٧٥ ]
[البقرة: ٢٨١]، ويقال لسورة البقرة: «فسطاط القرآن»، وذلك لعظمها وبهائها، وما تضمّنت من الأحكام والمواعظ، وفيها خمسمائة حكم، وخمسة عشر مثلا، وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: «أعطيت سورة البقرة من الذّكر الأوّل، وأعطيت طه والطّواسين «١» من ألواح موسى «٢»، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة من تحت العرش» «٣» .
ت: وها أنا إن شاء الله أذكر أصل الحديث بكماله لما اشتمل عليه من الفوائد العظيمة.
خرّج الحاكم أبو عبد الله «٤» في «المستدرك على الصحيحين»
_________________
(١) - لنشاط القارئ والسامع كما يسفر وجه الشمس إثر نزول الغيوث الهوامع، وتخرج بوادر الزهر عقب الرعود القوارع- من تمجيد الله وصفاته اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [البقرة: ٢٥٥] ورحمته، وسماحة الإسلام، وضرب أمثال أَوْ كَصَيِّبٍ [البقرة: ١٩] واستحضار نظائر وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ [البقرة: ٧٤] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [البقرة: ٢٤٣]، وعلم، وحكمة، ومعاني الإيمان والإسلام، وتثبيت المسلمين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ [البقرة: ١٥٣] والكمالات الأصلية، والمزايا التحسينية، وأخذ الأعمال والمعاني من حقائقها وفوائدها لا من هيئاتها، وعدم الاعتداد بالمصطلحات إذا لم ترم إلى غايات وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: ١٨٩] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [البقرة: ١٧٧] وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: ٢١٧] والنظر والاستدلال، ونظام المحاجة، وأخبار الأمم الماضية والرسل وتفاضلهم، واختلاف الشرائع. ينظر: «التحرير» (١/ ٢٠٣- ٢٠٦) .
(٢) وهي السور المبدوءة ب «طس» أو «طسم» . []
(٣) «موسى» اسم عبراني معرب عن «موشى»، «مو» بالعبرانية: الماء، و«شى» الشجر، سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر. وهو اسم نبي بني إسرائيل ﵊، وهو علم أعجمي لا يقضى عليه بالاشتقاق، وإنما يشتق «موسى الحديد» . ينظر: «التبيان» (١/ ٦٣) . وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل. «الكامل» لابن الأثير (١/ ١٦٩) .
(٤) أخرجه الحاكم (١/ ٥٦١)، (٢/ ٢٥٩)، وعنه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٤٨٥)، رقم (٢٤٧٨)، كلاهما من طريق عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار به مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: عبيد الله، قال أحمد: تركوا حديثه.
(٥) محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم، الضبي، الطهماني، الحافظ أبو عبد الله، الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب «المستدرك»، وغيره من الكتب المشهورة، كان مولده سنة (٣٢١)، ورحل في طلب الحديث، وسمع الكثير على شيوخ يزيدون على ألفين، وتفقه على أبي علي بن أبي هريرة وأبي الوليد النيسابوري وأبي سهل الصعلوكي وغيرهم، أخذ عنه أبو بكر البيهقي وصنف المصنفات الكثيرة. مات سنة (٤٠٥) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ١٩٣)، «لسان الميزان» (٥/ ٢٣٢) .
[ ١ / ١٧٦ ]
عن معقل بن يسار «١» ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «أعملوا بالقرآن أحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، واقتدوا به، ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم منه فردّوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كي ما يخبرونكم، وآمنوا بالتّوراة والإنجيل والزّبور وما أوتي النّبيّون من ربّهم، وليسعكم القرآن وما فيه من البيان، فإنّه شافع مشفّع، وما حل»
مصدّق، وإنّي أعطيت سورة البقرة من الذّكر الأوّل وأعطيت طه والطّواسين والحواميم «٣» من الواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش» «٤»، ما حل بالمهملة، أي:
ساع، وقيل: خصم. انتهى من «السّلاح» .
وفي الحديث الصحيح، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنّهما غيايتان «٥»، بينهما شرق، أو غمامتان سوداوان، أو كأنّهما ظلّة من طير صوافّ تجادلان عن صاحبهما» «٦» .
ت: أصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهليّ «٧» ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه
_________________
(١) معقل بن يسار المزني، أبو علي، بايع تحت الشجرة. له أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بآخر، ومسلم بحديثين وعنه عمران بن حصين. مات في خلافة معاوية. ينظر: «الخلاصة» (٣/ ٤٥)، و«تهذيب التهذيب» (١٠/ ٢٣٥)، و«الثقات» (٣/ ٣٩٢) .
(٢) أي: خصم مجادل مصدق. وقيل: ساع مصدق، من قولهم: محل بفلان، إذا سعي به إلى السلطان، يعني أن من اتبعه وعمل بما فيه، فإنه شافع له مقبول الشفاعة، ومصدق عليه فيما يرفع من مساويه إذا ترك العمل به. ينظر: «النهاية» (٤/ ٣٠٣) .
(٣) يعني السور المبدوءة ب «حم» .
(٤) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٥٧٨) كتاب «معرفة الصحابة» باب معقل بن يسار وسكت عنه هو والذهبي.
(٥) الغياية: السحابة المنفردة، أو هي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه. ينظر: «النهاية» (٣/ ٤٠٣)، و«لسان العرب» (٣٣٣٢) .
(٦) سيأتي تخريجه.
(٧) هو: صدي بن عجلان بن الحارث وقيل: عجلان بن وهب أبو أمامة. الباهلي. السهمي. سكن «مصر» ثم انتقل منها فسكن «حمص» من الشام، ومات بها، وكان من المكثرين في الرواية، وأكثر حديثه عند الشاميين. وقال ابن الأثير في موضع آخر. روى عنه سليم بن عامر الجنائزي، والقاسم أبو عبد الرحمن، وأبو غالب حزور، وشرحبيل بن مسلم، ومحمد بن زياد، وغيرهم. توفي سنة (٨١) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ١٦)، (٦/ ١٦)، «الإصابة» (٧/ ٩)، «الاستيعاب» (٤/ ١٦٠٢) «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ١٤٨)، «بقي بن مخلد» (١٧)، «الطبقات الكبرى» (١/ ٤١٥) .
[ ١ / ١٧٧ ]
اقرءوا الزّهراوين البقرة وآل عمران فإنّهما يأتيان كأنّهما غمامتان، أو كأنّهما غيايتان، أو كأنّهما فرقان «١» من طير صوّاف يحاجّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة»، قال معاوية «٢»: بلغني أنّ البطلة: السّحرة «٣»، فقوله ﷺ: «غمامتان»، يعني: سحابتين بيضاوين، والغيايتان بالغين المعجمة.
أبو عبيد: الغياية كلّ شيء أظلّ الإنسان فوق رأسه، وهو مثل السحابة، وفرقان بكسر الفاء، أي: جماعتان. انتهى من «السلاح» .
وروى أبو هريرة عنه ﷺ، أنه قال: «لكلّ شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة فيها آية هي سيّدة آي القرآن، هي آية الكرسيّ» «٤»، وفي «البخاريّ» أنه ﷺ قال: «من قرأ
_________________
(١) الفرقان: القطعتان. ينظر: «النهاية» (٣/ ٤٤٠) .
(٢) هو: معاوية بن صخر (أبي سفيان) بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عبد الرحمن. القرشي. الأموي. أمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، قيل: ولد قبل البعثة بخمس سنين، وقيل: بسبع، وقيل: بثلاث عشرة، والقول الأول أشهر على الصحيح من الأقوال. وهو خال المؤمنين، وكاتب النبي ﷺ وهو الذي طالب بدم عثمان، فكان من الحروب بينه وبين عليّ ما كان، وإسلامه وحروبه وإمارته شهيرة جدّا، ولا يتسع المقام للحديث عنه. توفي في رجب سنة (٦٠) هـ. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٥/ ٢٠٩)، «الإصابة» (٦/ ١١٢)، «الاستيعاب» (٣/ ١٤١٦)، «الاستبصار» (٤٠، ٦٧)، «الكاشف» (٣/ ١٥٧)، «الأعلام» (٧/ ٢٦١)، «شذرات الذهب» (١/ ٤١٨)، «العبر» (١/ ٥٤٩)، «العقد الثمين» (٧/ ٢٢٧)، «تهذيب التهذيب» (١٠/ ٢٠٧)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٣٤٤)، «التاريخ الكبير» (٧/ ٣٢٦) .
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٥٥٣)، كتاب «صلاة المسافرين»، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، حديث (٢٥٢)، وأحمد (٥/ ٢٤٩)، والطبراني في «الكبير» (٨/ ١٣٩)، رقم (٧٥٤٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٩٥)، كتاب «الصلاة»، باب المعاهدة على قراءة القرآن، وفي «شعب الإيمان» (٢/ ٤٥١)، رقم (٢٣٧٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٩- بتحقيقنا)، كلهم من طريق معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام أنه سمع أبا أمامة، فذكره. وللحديث شاهد من حديث النواس بن سمعان الكلابي: أخرجه مسلم (١/ ٥٥٣) كتاب «صلاة المسافرين»، باب فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة، حديث (٢٥٣)، والترمذي (٥/ ١٦٠)، كتاب «فضائل القرآن»، باب ما جاء في سورة آل عمران، حديث (٢٨٨٣) . والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٣٧٣)، عن النواس بن سمعان بنحو حديث أبي أمامة.
(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ١٥٧)، كتاب «فضائل القرآن»، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي، حديث (٢٨٧٨)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٧٦- ٣٧٧)، رقم (٦٠١٩)، والحميدي (٢/ ٤٣٧)، رقم (٩٩٤)، والحاكم (١/ ٥٦٠- ٥٦١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٤٥٢)، رقم (٢٣٧٥)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٦٣٧) . كلهم من طريق حكيم بن جبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا. -[]
[ ١ / ١٧٨ ]
بالآيتين مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ/ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ» «١» وروى أبو هريرة عنه ﷺ أنه قال: ٩ ب
_________________
(١) - وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير وضعفه اه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه والشيخان لم يخرجا عن حكيم لوهن في رواياته، وإنما تركاه لغلوه في التشيع. ووافقه الذهبي. قلت: والشيخان لم يتركا حكيم لتشيعه فقط، إنما لضعفه أيضا. فقال الحافظ في «التقريب» (١٤٦٨): ضعيف، رمي بالتشيع، ولأول الحديث شاهد من حديث سهل بن سعد: أخرجه أبو يعلى (١٣/ ٥٤٧)، رقم (٧٥٥٤)، وابن حبان (١٧٢٧- موارد)، والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٦)، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١/ ١٠١)، والطبراني في «الكبير» (٦/ ١٦٣)، رقم (٥٨٦٤) كلهم من طريق خالد بن سعيد المدني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد به. وخالد بن سعيد، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال: وفي فضل سورة البقرة رواية أحسن من هذا الإسناد وأصلح. والنسائي في «الكبرى» (٥/ ١٤)، كتاب «فضائل القرآن»، باب الآيتان من سورة البقرة، حديث (٨٠٢٠)، والحميدي (١/ ٢١٥)، رقم (٤٥٢)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٧٧)، رقم (٦٠٢١)، وابن خزيمة (٢/ ١٨٠)، رقم (١١٤١)، كلهم من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة، عن أبي مسعود به مرفوعا. وعند بعضهم: قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود في الطواف فسألته عنه، فحدثني أن رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث وللحديث طرق أخرى واختلاف فيها تكلم عليها الحافظ علي بن عمر الدارقطني في كتابه القيم «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» (٦/ ١٧١- ١٧٤) .
(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٦٧٢)، كتاب «فضائل القرآن»: باب فضل سورة البقرة، حديث (٥٠٠٩)، ومسلم (١/ ٥٥٥)، كتاب «صلاة المسافرين»: باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة (٢٥٥/ ٨٠٧)، وأبو داود (١/ ٤٤٤)، كتاب «الصلاة»، باب تحزيب القرآن، حديث (١٣٩٧)، والترمذي (٥/ ١٥٩)، كتاب «فضائل القرآن»، باب ما جاء في آخر سورة البقرة، حديث (٢٨٨١)، والنسائي في «الكبرى»، (٥/ ٩) كتاب «فضائل القرآن»، باب سورة كذا وسورة كذا، حديث (٨٠٠٣)، و(٥/ ١٤)، باب الآيتان من آخر سورة البقرة، حديث (٨٠١٨)، وأحمد (٤/ ١٢١، ١٢٢)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص ١٠٥- ١٠٦)، رقم (٢٣٣)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٧٧)، رقم (٦٠٢٠)، والدارمي (١/ ٢٨٨)، وسعيد بن منصور (٤٧٥)، وابن الضريس في «فضائل القرآن» (ص- ٨٣)، رقم (١٦١)، والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٢٠٤- ٢٠٥) رقم (٥٥٠، ٥٥٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى»، (٣/ ٢٠)، كتاب «الصلاة»، باب كم يكفي الرجل قراءة القرآن في ليله، وفي «شعب الأيمان» (٢/ ٤٦٢)، رقم (٢٤٠٥، ٢٤٠٦)، كلهم من طريق منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنت أحدّث عن أبي مسعود حديثا فلقيته وهو يطوف بالبيت، فسألته، فحدث عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه» . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: والذي حدث عبد الرحمن بن يزيد بهذا الحديث هو علقمة بلا شك فأخرجه البخاري (٨/ ٧١٢)، كتاب «فضائل القرآن»، باب في كم يقرأ القرآن، حديث (٥٠٥١) .
[ ١ / ١٧٩ ]
«البيت الّذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشّيطان» «١» .
ت: وعن ابن عبّاس قال: بينما جبريل قاعد عند النبيّ ﷺ سمع نقيضا من فوقه، فقال له: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك فاتحة الكتاب، وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلّا أعطيته» رواه مسلم، والنسائيّ «٢»، والنقيض بالنون والقاف: هو الصوت انتهى من «السلاح» .
وعدد آي سورة البقرة مائتان، وخمس وثمانون آية، وقيل: وستّ وثمانون آية، وقيل: وسبع وثمانون.