الشعر ديوان العرب ففيه تاريخهم، وآثارهم، وبه يفتخرون، ويمتدحون، ويرغبون، ويرهبون، ولم لا وهم قوم الفصاحة والبيان وقد قال النبي ﷺ: «إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة» .
وقد مضى سلف الأمة من المفسرين على الاحتجاج بأشعار العرب، وما قصة نافع بن الأزرق مع ابن عباس ببعيدة عن ذلك.
وقد ذكرت أقوال كثيرة عن ابن عباس تدل على جواز الاحتجاج بالشعر في تفسير الكتاب العزيز، منها: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها، فالتمسنا معرفة ذلك منه.
ومن سؤالات نافع ونجدة بن عويمر أنهما قالا: أخبرنا عن قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ [المعارج: ٣٧]، قال: العزون: الحلق الرقاق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول: [الوافر]
فجاءوا يهرعون إليه حتّى يكونوا حول منبره عزينا
وهكذا كانت إجابات ابن عباس، قال أبو عبيد في فضائله: حدثنا هشيم عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه كان يسأل عن القرآن، فينشد فيه الشعر.
ومن هنا وجدنا الإمام الثعالبي يستشهد بأشعار العرب، فمن ذلك:
[ ١ / ١٠٨ ]
١- احتجاجه لقراءة ابن كثير آتَيْتُمْ [البقرة: ٢٣٣] بمعنى فعلتم- بقول زُهَيْرٌ:
[الطويل]
وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فإنّما توارثه آباء آبائهم قبل
٢- واحتجاجه لمعاني بعض الألفاظ، مثل قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا [النساء: ٨٥] . فقال: مُّقِيتًا: معناه: قديرًا ومنه قولُ الزُّبَيْر بْنِ عبدِ المُطَّلِبِ:
[الوافر]
وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عنه وكنت على إساءته مقيتا
ومنه: احتجاجه على أن من معنى «الجهالة» أن يتعمد الأمر فيركبه، مع عدم مضادة للعلم قال: فمنها قولُ الشَّاعر: [الوافر]
أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
٣- ومنه احتجاجه على المسائل النحوية، فمثلا في قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الحشر: ٩] يقول نقلا عن الصفاقسي: و«الإيمان» منصوب بفعل مُقَدَّرٍ، أي: واعتقدوا الإيمان، فهو من عطف الجمل كقوله: [الرجز]
علفتها تبنا وماء باردا
وهذا بالإضافة إلى شعر الزّهد والرقائق الذي ضمنه تفسيره، والذي يقرؤه القارئ الكريم، فيستشعر عذوبته ورقّته، وحسن اختياره ومكانه.