وقد بدا هذا الاتجاه واضحا في أواخر القرن الثاني الهجريّ وأوائل القرن الثّالث إذ نشأ علم النّحو، ونضجت علوم اللغة على أيدي الرّوّاد أمثال أبي عمرو بن العلاء، ويونس بن حبيب، والخليل بن أحمد الفراهيديّ، وغيرهم.
وكان الغرض الأسمى من تأصيل هذه العلوم وتقعيدها خدمة القرآن الكريم صيانة له من اللّحن، ولا سيما بعد اتصال العرب بالعجم.
وقد أثّرت هذه الدراسات في تفسير القرآن تأثيرا كبيرا إذ اشتغل اللغويّون أنفسهم بالقرآن ولغته، وكان من أشهر هؤلاء العلماء «أبو عبيدة معمر بن المثنّى» المتوفّى سنة
_________________
(١) راجع: «تفسير الطبري» .
(٢) راجع: «التفسير والمفسرون» ١/ ٢٠٢- ٢١٨.
[ ١ / ٨٦ ]
٢٠٨ هـ. أو ٢١٥ هـ، وقد ألف كتابه «مجاز القرآن» سنة ١٨٨ هـ «١»، ويعدّ هذا الكتاب أقدم مؤلّف في معاني القرآن وصل إلينا.
وأبو عبيدة موسوعة علمية له مؤلّفات في مجالات شتّى، وقد «أوتي لسانا صارما جلب على نفسه عداوات كثيرة، ثم تنفّس به العمر قرابة قرن كامل زامل فيه أعلاما كبارا، وجادل خصوما كثارا، وشهد تلاميذه ومن في طبقتهم يجادلون عنه، ويجادلون فيه، فقرّب وباعد، وواصل وقاطع، ولكنّ مخالفيه كانوا من الكثرة بحيث أرهقوه وضايقوه، حتّى جاءه الأجل فلم ينهض لتشييع جنازته أحد، وعلّل ذلك بما ترك من حزازات أدبية» «٢» .
ويحكي أبو عبيدة سبب تأليفه كتاب «مجاز القرآن» فيقول:
«أرسل إليّ الفضل بن الربيع والي البصرة في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة، فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت عليه، وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه، وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسيّ، وهو جالس عليها، فسلّمت عليه بالوزارة، فردّ وضحك إليّ، واستدناني حتّى جلست إليه على فرشة، ثم سألني وألطفني وباسطني، وقال: أنشدني، فأنشدتّه فطرب وضحك، وزاد نشاطه، ثم دخل رجل في زيّ الكتّاب له هيئة، فأجلسه إلى جانبي، وقال له: أتعرف هذا؟
قال: لا، قال: هذا أبو عبيدة علّامة أهل البصرة! أقدمناه لنستفيد من علمه، فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا، وقال لي: إنّي كنت إليك مشتاقا، وقد سألت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرّفك إيّاها؟
فقلت: هات، قال: قال الله ﷿: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [الصافات: ٦٥]، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا لم يعرف، فقلت: إنما كلّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس: [الطويل]
أَيَقْتُلُنِي وَالمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ
وهم لم يروا الغول قطّ، ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم، أو عدوا به فاستحسن الفضل ذلك، واستحسن السّائل، وعزمت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه، فلمّا رجعت إلى البصرة، عملت كتابي الذي سمّيته
_________________
(١) «معجم الأدباء» ١٩/ ١٥٨.
(٢) «خطوات التفسير البياني» د. رجب البيومي ص ٣٧، ٣٨، وراجع: «معجم الأدباء» ١٩/ ١٦٠.
[ ١ / ٨٧ ]
المجاز، وسألت عن الرجل السائل، فقيل لي: هو من كتّاب الوزير وجلسائه وهو إبراهيم بن إسماعيل الكاتب» «١» .
وبعض العلماء ينكر هذه القصّة لأن أبا عبيدة لم يشر إليها في مقدّمة كتابه «٢» .
ومن الذين كتبوا عن اتجاهات التّفسير من يسلك أبا عبيدة- من خلال كتابه هذا- في سلك الاتجاه البيانيّ في التّفسير، وأكثرهم يعدّه رائدا في الاتجاه اللّغويّ.
على أن أبا عبيدة لم «يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنّما عنى بمجاز الآية ما يعبّر به عن الآية» «٣» .
فقد يستعمل أبو عبيدة لفظ المجاز قاصدا به معنى اللّفظ، فمثلا في قوله تعالى:
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [الأحقاف: ١٥] يقول: «مجازه: شددني إليك، ومنه قولهم: وزعني الحلم عن السّفاه، أي: منعني، ومنه الوزعة: الّذين يدفعون الخصوم والنّاس عن القضاة والأمراء» ثم يستشهد بالبيت:
على حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا فَقُلْتُ ألمّا تصح والشّيب وازع «٤»
وأما أبو زكريّا الفرّاء المتوفّى سنة ٢٠٧ هـ، فكان يستعين بتفسيرات السّلف، مضيفا له ما أدّى إليه اجتهاده اللغويّ، وكذا الزّجّاج المتوفّى سنة ٣١١ هـ «٥» .
لقد استلهم الفرّاء الحسّ اللّغويّ محكّما ذوقه وعقله كما راعى السّياق العامّ في الآية ولذا نجده يفضّل قراءة تحقّق التجانس بين الكلمات المتجاورات على غيرها «٦» .