نزل القرآن الكريم لغرضين أساسيّين:
أولهما: ليكون معجزة فلا يقدر البشر على أن يأتوا بمثله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]، ولا بسورة من مثله: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: ٣٨] .
ثانيهما: ليكون منهج حياة، ودستورا للمسلمين، فيه صلاحهم وفلاحهم إذ تكفّل بكلّ حاجاتهم من أمور الدين والدنيا: عقائد، وأخلاق، وعبادات، ومعاملات إلخ.
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧] .
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا [الاسراء: ٨٢]، ففي اتباعه الهداية، وفي الإعراض عنه الشقاء والضّنك فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
_________________
(١) «التفسير والمفسرون» ١/ ٢٣.
[ ١ / ٤٦ ]
ْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
[طه: ١٢٣- ١٢٦] .
وبه مخرج الأمّة من أزماتها، ونجاتها من الفتن يقول علي- كرم الله وجهه-:
قلت: يا رسول الله، ستكون فتن، فما المخرج منها؟.
قال ﷺ: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، هو حبل الله المتين، والذّكر الحكيم، والصّراط المستقيم، هو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرّدّ، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به أفلح، ومن دعي إليه هدي إلى صراط مستقيم» .
- ولكي يكون معجزا ويتأتّى تحدّيه للبشر.
- ولكي يتأتّى اتخاذه دستورا ومنهج حياة..
- ولكي يتدبّر المؤمنون آياته «١» .
ولكي يستطيع المسلمون العرب الانطلاق بالدعوة «٢» .. لكلّ هذا جاء القرآن عربيّا.
وكان القوم- «عند نزوله- سواء من هو حجّة له من المؤمنين الصادقين، ومن هو حجّة عليه من الكافرين الجاحدين- يفهمونه ويحيطون بمعانيه إفرادا وتركيبا فيتلقّون دعوته، ويدركون مواعظه، ويعون تحدّيه بالإعجاز بين مذعنين، يقولون: آمنّا به، ومعاندين يلحدون في آياته، ويمعنون في معارضته كيدا وليّا بألسنتهم وطعنا في الدين.
«فما كان منهم من تعذّر عليه فهمه، ولا من خفيت عليه مقاصده ومعانيه، بل كان وضوح معانيه، ويسر فهمه، هو الأصل فيما قام حوله من صراع بين مؤمن يجد فيه شفاء نفسه، وانشراح صدره، وكافر ينقبض لقوارع آياته فلا يزال يدفعها بالإعراض والمعارضة، والدفاع والمقارعة، وكان ذلك هو الأصل أيضا في تكوّن الأمّة المحمّدية، وتولّد التاريخ الإسلاميّ» «٣» .
_________________
(١) قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ
(٢) قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ
(٣) «التفسير ورجاله» / محمد الفاضل بن عاشور ص ٧- ٨.
[ ١ / ٤٧ ]
يقول ابن خلدون «١»:
«إنّ القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم فكانوا كلّهم يفهمونه، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه» .
وقد سبقه أبو عبيدة معمر بن المثنّى حين قال «٢»:
«إنما نزل القرآن بلسان عربيّ مبين فلم يحتج السلف، ولا الذين أدركوا وحيه، إلى النبيّ ﷺ أن يسألوا عن معانيه لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص» .
إلا أن هذا الإطلاق يعارضه قول عمر بن الخطّاب للرسول ﷺ «٣»:
«يا رسول الله، إنّك تأتينا بكلام من كلام العرب، وما نعرفه، ولنحن العرب حقّا؟
فقال رسول الله ﷺ: «إنّ ربّي علّمني فتعلّمت، وأدّبني فتأدّبت» .
كما يعارضه صريح القرآن إذ يقول تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] .
نعم.. إن هناك ألفاظا لم تستطع بعض القبائل العربيّة معرفتها، ربّما لعدم استعمالهم لها، أو لاحتمال اللفظ عدّة معان، وكذا بعض آيات أشكل عليهم فهم معناها وذلك كسؤالهم النبيّ ﷺ لما نزل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]، فقالوا: وأيّنا لم يظلم؟ وفزعوا إلى النبيّ ﷺ فبيّن لهم أنّ المراد بالظّلم الشرك واستدلّ عليه بقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «٤» [لقمان: ١٣] .
ولو صح ما ذهب إليه ابن خلدون وأبو عبيدة، لما كانت حاجة الصحابة إلى تفسير الرسول ﷺ. لكنّ تفسير الرسول للقرآن، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة، بيانا لمعنى
_________________
(١) المقدمة ص ٣٦٧ ط الأزهرية سنة ١٩٣٠.
(٢) «مجاز القرآن» - ط ثانية- دار الفكر.
(٣) «البرهان في علوم القرآن» للزركشي ١/ ٢٨٤ ط الحلبي تحقيق أبو الفضل إبراهيم، وقال الصيرفي: ولست أعرف إسناد هذا الحديث، وإن صح، فقد دل على أن النبي ﷺ قد عرف ألسنة العرب.
(٤) «الإتقان» للسيوطي ٢/ ٣٣٠ و«البرهان» للزركشي ١/ ١٤.
[ ١ / ٤٨ ]
لفظ، أو توضيحا لمشكل، أو تأكيدا لحكم، أو تفصيلا لمجمل، أو تخصيصا لعامّ، أو تقييدا لمطلق إلخ.
وكان الصحابة- رضوان الله عليهم- حراصا على حفظ القرآن، وفهم معانيه، وفقه أحكامه
قال أبو عبد الرحمن السّلميّ:
«حدّثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلّموا من النبي ﷺ عشر آيات، لم يتجاوزوها حتّى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلّمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعا» .
وإذا كان العرب الخلّص الذين لم تعكّر عربيّتهم عجمة- يحتاجون إلى التّفسير، فنحن أولى وأحوج، بل وأشدّ حاجة إلى تفسير القرآن الكريم إذ صار البون بعيدا بين العرب والفصحى.
يقول السّيوطيّ «١»:
«ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه، وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم، فنحن أشدّ احتياجا إلى التفسير» .
والحاجة إلى التفسير «إنّما هي حاجة عارضة نشأت من سببين:
السبب الأول: هو أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة، وإنما كان نزوله وتبليغه في ظرف زمنيّ متسع جدّا قدره أكثر من عشرين عاما، فكان ينزل منجّما على أجزاء مع فواصل زمنيّة متراخية بين تلك الأجزاء، وكان نزوله في تقدم بعض أجزائه وتأخّر البعض الآخر، على ترتيب يختلف عن ترتيبه التعبّديّ لأنّ ترتيب تاريخ النزول كان منظورا فيه إلى مناسبة الظروف والوقائع، مناسبة ترجع إلى ركن من أركان مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وترتيب التلاوة أو الترتيب التعبدي، كان منظورا فيه إلى تسلسل المعاني وتناسب أجزاء الكلام بعضها مع بعض، والترتيب الأوّل مؤقّت زائل بزوال ملابساته من الوقائع والأزمنة والأمكنة.
_________________
(١) «الإتقان» ٢/ ٢٩٦- ٢٩٧.
[ ١ / ٤٩ ]
أما ترتيب التلاوة التعبديّ فباق لأنه في ذات الكلام، يدركه كلّ واقف عليه وتال له من الأجيال المتعاقبة، بينما الترتيب التاريخيّ لا يدركه إلا شاهد العيان لتلك الملابسات من الجيل الذي كان معاصرا لنزول القرآن وكان انقراض تلك الملابسات الوقتية محوجا إلى معرفتها معرفة نقلية تصوّرية، ليتمكّن الآتون من استعمال القرائن والأحوال، التي اهتدى بها إلى معاني التراكيب القرآنية سابقوهم.
وأما السبب الثاني: فهو أنّ دلالات القرآن الأصليّة، التي هي واضحة بوضوح ما يقتضيه من الألفاظ والتراكيب- تتبعها معان تكون دلالة التراكيب عليها محلّ إجمال أو محلّ إبهام إذ يكون الترتيب صالحا على الترديد لمعان متباينة، يتصوّر فيها معناه الأصليّ ولا يتبيّن المراد منها، كأن يقع التعبير عن ذات بإحدى صفاتها، أو يكنى عن حقيقة بإحدى خواصّها، أو أحد لوازمها فينشأ عن ذلك إجمال يتطلّب بيانا، أو إبهام يتطلّب تعيينا ولما كان الذين اتصلوا أوّلا بتلك المجملات أو المبهمات أو المطلقات قد رجعوا إلى المبلّغ ﷺ في طلب بيانها أو تعيينها أو تقييدها فتلقّوا عند ما أفادهم فاطلعوا بأن الذين أتوا بعدهم احتاجوا إلى معرفة تلك الأمور المأثورة عن النبيّ ﷺ لتتّضح لهم تلك المعاني كما اتضحت لمن قبلهم » «١» .
وبذا تبيّن أن التفسير نشأ منذ بدء الوحي إذ احتاج إليه الصحابة، ثم زادت حاجة التابعين إلى التفسير، ولا سيّما ما رآه الصحابة وسمعوه من الرسول ﷺ ولم يتمكّنوا هم من رؤيته ولا سماعه ثم اشتدّت حاجة تابعي التابعين.
وهكذا كلّما بعد الناس عن عصر نزوله، زادت الحاجة إلى التفسير بمقدار ما زاد من غموض «٢»