اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)
وقوله تعالى: اهْدِنَا: رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغ الأمر كلها، فإِذا كانت من الأعلى، فهي أَمْرٌ.
والهِدَايَةُ في اللغة: الإرشادُ، لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسِّرون بغير لفظ الإِرشاد وكلها إِذا تأملت راجِعةٌ إلى الإرشاد، فالهدى يجيء بمعنى خَلْقِ الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ٥] ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور: ٤٦]، وإِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: ٥٦] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ [الأنعام: ١٢٥] الآية، قال أبو المعالي «١»: فهذه الآيات لا يتجه جلها إلا على خلق الإيمان في القلب، وهو محض الإرشاد «٢» .
٨ أوقد جاء الهدى بمعنى الدعاء كقوله تعالى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: ٧] أي: داع/ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] .
_________________
(١) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد، العلامة إمام الحرمين، أبو المعالي بن أبي محمد الجويني، ولد سنة (٤١٩)، وتفقه على والده، وقعد للتدريس بعده، وحصل أصول الدين وأصول الفقه على أبي القاسم الأسفراييني الإسكاف، وصار إماما، حضر درسه الأكابر، وتفقه به جماعة من الأئمة. قال السمعاني: كان إمام الأئمة على الإطلاق، ومن تصانيفه: النهاية والغياثي والإرشاد، وغيرهما. مات سنة (٤٧٨) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٢٥٥)، «طبقات السبكي» (٣/ ٢٤٩)، «وفيات الأعيان» (٢/ ٣٤١)، و«الأنساب» (٣/ ٤٣٠)، «شذرات الذهب» (٣/ ٣٥٨)، «النجوم الزاهرة» (٥/ ١٢١)، و«معجم البلدان» (٢/ ١٩٣) .
(٢) ينظر: ص ٤٨٦.
[ ١ / ١٦٦ ]
وقد جاء الهدى بمعنى الإِلهام من ذلك قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: ٥٠] .
قال المفسِّرون: ألهم الحيواناتِ كلَّها إِلى منافعها.
وقد جاء الهدى بمعنى البيان من ذلك قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [فصلت: ١٧] قال المفسِّرون: معناه: بيَّنَّا لهم.
قال أبو المعالي «١»: معناه: دعوناهُمْ، وقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [الليل: ١٢]، أي: علينا أنْ نبيِّن.
وفي هذا كله معنى الإِرشاد.
قال أبو المعالي: وقد ترد الهدايةُ، والمراد بها إِرشاد المؤمنين إِلى مسالك الجِنَانِ والطرقِ المفضيةِ إِلَيْهَا كقوله تعالى في صفة المجاهدين: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [محمد: ٤- ٥] ومنه قوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣]، معناه: فاسلكوهم إِليها.
قال ع «٢»: وهذه الهدايةُ بعينها هي التي تقال في طرق الدنيا، وهي ضدُّ الضلالِ، وهي الواقعة في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ على صحيح التأويلات، وذلك بيِّن من لفظ «الصِّرَاط» والصراط في اللغة: الطريقُ الواضِحُ ومن ذلك قول جَرِيرٍ «٣»: [الوافر]
أَمِيرُ المُؤْمِنيِنَ على صِرَاطٍ إِذَا اعوج المَوَارِدُ مستقيم «٤»
_________________
(١) ينظر: «الإرشاد» ص (١٩٠)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٧٣) .
(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٧٣) .
(٣) جرير بن عطية بن حذيفة الخطفى بن بدر الكلبي، اليربوعي، من تميم أشعر أهل عصره، ولد سنة (٢٨) هـ. ومات سنة ١١٠ هـ. في «اليمامة» . وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وكان هجاءا مرّا، فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل، وكان عفيفا، وهو من أغزل الناس شعرا. ينظر: «الأعلام» (٢/ ١٩)، «وفيات الأعيان» (١/ ١٠٢)، «الشعر والشعراء» (١٧٩)، و«خزانة الأدب» (١/ ٣٦) . []
(٤) البيت في مدح هشام بن عبد الملك، ينظر: ديوانه (٥٠٧)، «شرح الديوان» لمحمد بن حبيب (١/ ٢١٨)، «المحتسب» (١/ ٤٣)، «مجاز القرآن» (١/ ٢٤)، «تفسير الطبري» (١/ ٥٦)، «تفسير القرطبي» (١/ ١٠٣)، «اللسان» (سرط)، «الجمهرة» (٢/ ٣٣٠)، «الدر المصون» (١/ ٧٨) . والموارد: الطرق، واحدها موردة.
[ ١ / ١٦٧ ]
واختلف المفسِّرون في المعنى الذي استعير له «الصِّراط» في هذا الموضع: فقال علي بن أبي طالب ﵁: الصراط المستقيم هنا القرآنُ «١»، وقال جابرٌ: هو الإِسلام، يعني الحنيفيَّة «٢» .
وقال محمَّد بن الحنفيَّة «٣»: هو دينُ اللَّه الذي لا يَقْبَلُ مِن العِبَادِ غيره «٤» .
وقال أبو العالية: هو رسول الله ﷺ وصاحباه أبو بَكْر وعمر، أي: الصراط المستقيم طريق محمد ﷺ وأبي بكر وعمر «٥»، وهذا قويٌّ في المعنى، إلاَّ أنَّ تسمية أشخاصهم طريقًا فيه تجوُّز، ويجتمع من هذه الأقوال كلِّها أنَّ الدعوة هي أنْ يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام وهو حالُ رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه.
وهذا الدعاء إِنما أمر به المؤمنون، وعندهم المعتقدات، وعند كل واحد بعض الأعمال، فمعنى قوله: اهْدِنَا فيما هو حاصل عندهم: التثبيتُ والدوام، وفيما ليس بحاصل، إِما من جهة الجهل به، أو التقصير في المحافظة عليه: طلب الإرشاد إليه، فكلّ
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١/ ١٧٣) (١٧٦)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٥٩)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٤١)، عن علي مرفوعا، وابن كثير (١/ ٢٧)، عن علي موقوفا عليه. وقال أحمد شاكر في تحقيقه للطبري: والإسناد إلى علي بن أبي طالب فيه انهيار.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٧٨)، وصححه الحاكم (٢/ ٢٥٩)، ووافقه الذهبي. وذكره الماوردي في تفسيره (١/ ٥٩)، والبغوي (١/ ٤١)، وابن كثير (١/ ٢٧)، قال: صحيح، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٤٠) وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير، والمحاملي في «أماليه»، والحاكم. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(٣) محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد، الإمام المعروف ب «ابن الحنفية» أمه خولة بنت جعفر الحنفية، نسب إليها. عن أبيه، وعثمان، وغيرهما. وعنه بنوه: إبراهيم، وعبد الله، والحسن، وعمرو بن دينار، وخلق. قال إبراهيم بن الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن علي أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية. قال أبو نعيم: مات سنة ثمانين. ينظر: «الخلاصة» (٢/ ٤٤٠)، و«تهذيب التهذيب» (٩/ ٣٥٤)، و«الكاشف» (٣/ ٨٠)، و«الثقات» (٥/ ٣٤٧) .
(٤) ذكره الماوردي في «تفسيره» (ص ٥٩)، وابن كثير (ص ٢٧)، وقال: صحيح.
(٥) أخرجه ابن جرير (١/ ١٠٥) برقم (١٨٤)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٥٩)، والبغوي (١/ ٤١)، وابن كثير (١/ ص ٢٧، ٢٨)، وقال: صحيح. وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٤١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن عساكر. ورواه الحاكم في «المستدرك»، عن ابن عباس، وقال: صحيح. ووافقه الذهبي.
[ ١ / ١٦٨ ]
داع به إنما يريد الصراط بكماله في أقواله، وأفعاله، ومعتقداته واختلف في المشار إِليهم بأنه سبحانه أنعم عليهم، وقول ابن عبَّاس، وجمهور من المفسِّرين: أنه أراد صراط النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالِحِين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ الآية [النساء: ٦٦] إلى قوله: رَفِيقًا «١» .
وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، اعلم أنَّ حكم كل مضافٍ إلى معرفة أنْ يكون معرفة، وإنما تنكَّرت «غَيْرٌ» و«مِثْلٌ» «٢» مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك إِذا قلْتَ: رأيتُ غَيْرَكَ، فكلُّ شيء سوى المخاطَبِ، فهو غيره وكذلك إِنْ قُلْتَ: رأيْتُ مثْلَكَ، فما هو مثله لا يحصى لكثرة وجوه المماثلة.
والْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: اليهودُ، والضالُّون: النصارى قاله ابن مسعود، وابن عَبَّاس، مجاهد، والسُّدِّيُّ، وابن زيد «٣» .
وروى ذلك عديّ بن حاتم «٤» عن النبيّ ﷺ «٥»، وذلك بيِّن من كتاب اللَّه لأنَّ ذِكْرَ
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١/ ١٠٦) برقم (١٨٨)، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للطبري (١/ ١٧٨) (١٨٨): في إسناده ضعف. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٧٥)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٤٢) .
(٢) هذا يكون في الإضافة المحضة المعنوية لا الإضافة غير المحضة اللفظية.
(٣) أخرجه الطبري (١/ ١١١- ١١٤) بأرقام (٢٠٠- ٢٠١- ٢٠٢- ٢٠٥- ٢١٤- ٢١٩) عن ابن زيد، ومجاهد، عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ. وذكره ابن عطية الأندلسي في تفسيره (١/ ٧٧)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٤٢- ٤٣) . وابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني روى عن أبيه، وعن وكيع وابن وهب، وقتيبة، وخلق. ضعّفه أحمد، وابن المديني، والنسائي، وغيرهم. توفي سنة (١٨٢) هـ. ينظر: «الخلاصة» (٢/ ١٣٣) (٤٠٩٤)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٢٣٢- ٢٣٣)، و«المغني» (٢/ ٣٨٠) .
(٤) هو: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعلب بن عمرو بن عوث بن طيّ وقيل في نسبه غير ذلك، أبو الطريف. وقيل: أبو وهب، الطائي. وهو ابن حاتم الطائي الذي يضرب بكرمه وجوده المثل، وكان هو أيضا كريما جوادا، وقد أسلم بعد أن كان نصرانيا. وروى عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، وثبت هو وقومه بعد موت النبي ﷺ وردت كثير من العرب، فجاء إلى أبي بكر بصدقة قومه. وأخباره في الكلام كثيرة، وسيرته بين الصحابة شهيرة. توفي سنة (٦٧) وقيل غير ذلك. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٤/ ٨)، «الإصابة» (٤/ ٢٢٨)، «الثقات» (١/ ٣١٦)، «الاستيعاب» (١٠٥٧)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٧٦)، «الطبقات الكبرى» (١/ ٣٢٢)، «التاريخ الكبير» (٧/ ٤٣)، «التاريخ الصغير» (١/ ١٤٨)، «الجرح والتعديل» (٧/ ٢) .
(٥) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٠٤)، كتاب «تفسير القرآن»، باب ومن سورة فاتحة الكتاب، حديث (٢٩٥٤) . -
[ ١ / ١٦٩ ]
٨ ب غضَبِ اللَّه على اليهود متكرِّر فيه كقوله: وَباؤُ بِغَضَبٍ/ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١١٢] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ الآية [المائدة: ٦٠] وغضب اللَّه تعالى، عبارة عن إظهاره عليهم محنًا وعقوباتٍ وذِلَّةً، ونحو ذلك ممَّا يدلُّ على أنه قد أبعدهم عن رحمته بُعْدًا مؤكَّدًا مبالغًا فيه، والنصارى كان محقِّقوهم على شِرْعَةٍ قبل ورود شرعِ محمَّد ﷺ، فلما ورد، ضلُّوا، وأما غير متحقِّقيهم، فضلالتهم متقرِّرة منذ تفرَّقت أقوالهم في عيسى ﵇، وقد قال اللَّه تعالى فيهم: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧] .
وأجمع الناسُ على أنَّ عدد آي سورة الحمد سبْعُ آيات العالمين آية، الرحيم آية، الدين آية، نستعين آية، المستقيم آية، أنعمت عليهم آية، ولا الضالين آية، وقد ذكرنا عند تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أن ما ورد من خلاف في ذلك ضعيفٌ.