اختلف الناس في هذه المسألة «٣»،
_________________
(١) (٤/ ٣٢٢)، والحميدي (٨٢٥)، وابن خزيمة (٥٢٧، ١٥٩١)، كلهم من طريق زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) الرّصف: ضم الشيء بعضه إلى بعض ونظمه. ينظر: «لسان العرب» (١٦٥٦) .
(٣) أخرجه البخاري (٨/ ٦٣٩)، كتاب «فضائل القرآن»، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، حديث (٤٩٩١)، ومسلم (١/ ٥٦١)، كتاب «صلاة المسافرين»، باب بيان أن القرآن على سبعة حروف، حديث (٢٧٢/ ٨١٩)، من حديث ابن عباس.
(٤) ذهب أكثر أهل العلم، ومنهم الإمام الشافعي، وابن جرير، وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر، وأبو الحسين بن فارس إلى عدم وقوع لفظ أعجمي في كتاب الله تعالى. واستدلوا بقوله تعالى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف: ٢]، وقوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت: ٤٤]، وقد شدد الشافعي النكير على القائل بعكس ذلك. وقال أبو عبيدة: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن «كذا» بالنبطية فقد أكبر القول. وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري﵀-: ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن إنها بالفارسية والحبشية أو النبطية أو نحو ذلك، إنما اتفق فيها توارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد. وقال ابن فارس: لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها. وذهب آخرون من العلماء إلى وقوعه فيه، وأجابوا عن قوله تعالى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيّا، والقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية، وعن قوله تعالى: ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ بأن المعنى من السياق: «أكلام أعجمي ومخاطب عربي!» كما استدلوا
[ ١ / ١٤٨ ]
فقال أبو عبيدة «١» وغيره: إنّ في كتاب الله تعالى من كلّ لغة، وذهب الطبريّ وغيره إلى أن القرآن ليس فيه لفظة إلا وهي عربية صريحة، وأن الأمثلة والحروف التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها توارد اللغتين، فتكلّمت العرب والفرس أو الحبشة بلفظ واحد وذلك مثل قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ [المزمل: ٦] قال ابن عبّاس: نشأ بلغة الحبشة: قام من الليل «٢»، ومنه قوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨]، قال أبو موسى الأشعريّ «٣»: كفلان: ضعفان من الأجر بلسان
_________________
(١) باتفاق النحاة على أن منع صرف نحو «إبراهيم»، و«سليمان»، و«داود» للعلمية والعجمة. ورد هذا الاستدلال بأن الأعلام ليست محل خلاف، فالكلام في غيرها موجّه بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس. وقد اختار السيوطي مذهب القائلين بالوقوع، واستدل له بما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعي الجليل قال: في القرآن من كل لسان. وروي مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبه. وكان في ذلك إشارة إلى أن كتاب الله حوى علوم الأولين والآخرين، ونبأ كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ليتم إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب. وأيضا فالنبي ﷺ مرسل إلى كل أمة، وقد قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو. وثمة مذهب يجمع بين القولين، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، فقد قال: والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: أعجمية فصادق. ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزي وآخرون. وللتاج السبكي نظم لهذه الكلمات الأعجمية، وقد زاد عليه كل من الحافظ ابن حجر والسيوطي. ينظر: «الإتقان في علوم القرآن» (٢/ ١٢٥- ١٢٩)، و«التحبير في علم التفسير» (٢٠٠- ٢٠٢)، وكلاهما للحافظ السيوطي.
(٢) معمر بن المثنى التيمي البصري، أبو عبيدة النحوي: من أئمة العلم بالأدب واللغة، ولد في ١١٠ هـ. قال الجاحظ: لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه، كان إباضيا شعوبيا، من حفاظ الحديث، لما مات لم يحضر جنازته أحد، لشدة نقده معاصريه توفي ٢٠٩ هـ، له مؤلفات منها: «مجاز القرآن»، «الشوارد»، «الزرع» . ينظر: «وفيات» (٢/ ١٠٥)، «المشرق» (١٥/ ٦٠٠)، «تذكرة الحفاظ» (١/ ٣٣٨)، «بغية الوعاة» (٣٩٥)، «السيرافي» (٦٧)، «الأعلام» (٧/ ٢٧٢) .
(٣) ينظر: «الطبري» (١/ ٣١) (٢)، والبيهقي في «سننه» (٣/ ٢٠)، وذكره السيوطي في «الدر» (٦/ ٤٤٣)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن نصر، وابن المنذر، والبيهقي في «سننه» .
(٤) هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار بن حرب بن عامر بن غنم بن بكر بن عامر بن عذب بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر.. أبو موسى الأشعري. صحابي مشهور، كان حسن الصوت.
[ ١ / ١٤٩ ]
الحبشة «١»، وكذلك قال ابن عبّاس في القسورة: إنّه الأسد بلغة الحبشة «٢»، إلى غير هذا من الأمثلة.
قال ع «٣»: والذي أقوله إنّ القاعدة والعقيدة هي أنّ القرآن بلسان عربيّ مبين، وليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب، فلا تفهمها إلا من لسان آخر، فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها، فإنه قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وسفر إلى الشام وأرض الحبشة، فعلقت العرب بهذا كلّه ألفاظا أعجمية، غيّرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربيّ الصحيح الصريح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحدّ نزل بها القرآن، فإن جهلها عربيّ ما، فكجهله الصريح مما في لغة غيره كما لم يعرف ابن عبّاس معنى «فاطر» إلى غير ذلك، فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية، لكن استعملتها العرب، وعرّبتها، فهي عربية بهذا الوجه، وما ذهب إليه الطبريّ من أن اللغتين اتفقتا في لفظة لفظة، فذلك بعيد، بل إحداهما أصل، والأخرى فرع في الأكثر لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذّا.