هو: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن سمح، وقيل «شمخ» ينتهي نسبه إلى مضر، يكنى بأبي عبد الرحمن، وأمّه: أمّ عبد بنت عبد ودّ من هذيل، وكان يقال له: ابن أمّ عبد.
أسلم قديما قبل عمر بن الخطّاب، وكان سبب إسلامه: حين مرّ به رسول الله ﷺ وأبو بكر﵁- وهو يرعى غنما، فسألاه لبنا فقال: إنّي مؤتمن، قال: فأخذ رسول الله ﷺ عناقا لم ينز عليها الفحل، فاعتقلها، ثم حلب وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضّرع: أقلص، فقلص، فقلت: علّمني من هذا الدّعاء، فقال: إنّك غلام معلّم
الحديث «٣» .
كان عبد الله من أحفظ الصحابة لكتاب الله وأقرئهم له، وكان ﷺ يطلب منه أن يقرأه عليه، فقال له يوما: اقرأ عليّ سورة النّساء، قال ابن مسعود: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري، يقول: فقرأت عليه، حتّى بلغت: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤١] ففاضت
_________________
(١) راجع «الإتقان» ٢/ ٣١٩.
(٢) «تفسير البغوي» - ط المنار ٤/ ٢٧٣.
(٣) «البداية والنهاية» ٧/ ١٦٩، «أسد الغابة» ٣/ ٢٥٦- ٢٦٠.
[ ١ / ٥٣ ]
عيناه ﷺ «١» .
وكان ﷺ يقول:
«من سرّه أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد» «٢» وكان ابن مسعود حريصا على فهم القرآن الكريم يروي الطبريّ وغيره عن ابن مسعود أنه قال:
«كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتّى يعرف معانيهنّ والعمل بهنّ، وعن مسروق قال «٣»: قال عبد الله بن مسعود:
«والّذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلّا وأنا أعلم فيم نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله منّي تبلغه الإبل لركبت إليه» .
وطرق الرواية عن ابن مسعود متعدّدة، وأصحّ هذه الطرق ما جاء من «٤»:
١- طريق الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن ابن مسعود.
٢- طريق مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود.
٣- طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود.
وهذه الطرق الثلاثة أخرج منها البخاريّ في صحيحه.
وهناك طرق أخرى ك:
١- طريق السّدّيّ الكبير عن مرّة الهمذانيّ عن ابن مسعود أخرج منها الحاكم في مستدركه، وابن جرير في تفسيره- كثيرا.
٢- طريق أبي روق عن الضّحّاك عن ابن مسعود، وهي طريق غير مرضيّة أخرج منها ابن جرير في تفسيره أيضا، وهي منقطعة لأن الضّحّاك لم يلق ابن مسعود.
وكان لابن مسعود تلاميذ كثير في الكوفة، وكان عمر﵁- لمّا ولّى عمّار بن ياسر على الكوفة سيّر معه عبد الله بن مسعود معلّما ووزيرا، فجلس الكوفيّون إليه وتعلّموا منه.
_________________
(١) «البداية والنهاية» ٧/ ١٦٩.
(٢) «مسند الإمام أحمد» ١/ ٧.
(٣) «صحيح البخاري» - كتاب الفضائل/ باب مناقب عبد الله بن مسعود.
(٤) «التفسير والمفسرون» للذهبي ١/ ٨٧، ٨٨.
[ ١ / ٥٤ ]
ويقول العلماء:
إن ابن مسعود هو الذي وضع الأساس لطريقة الاستدلال، وقد أثرت هذه الطريقة في مدرسة التفسير، فكثر التفسير بالرأي والاجتهاد «١»، وسوف يأتي ذكر تلاميذه عند حديثنا عن تفسير التابعين.