هو: مجاهد بن جبر، أبو الحجّاج القرشيّ المخزوميّ، مولى السّائب بن أبي السّائب المخزوميّ، ولد سنة ٢١ هـ- في خلافة عمر بن الخطاب، وتوفي سنة ١٠٣ هـ «١» .
أحد أئمّة التابعين والمفسّرين، وأحد أعلام القرّاء، ومن خاصّة أصحاب ابن عبّاس، اشتهر بقوّة حافظته حتى قال ابن عمر وهو آخذ بركابه:
«وددت أنّ ابني سالما وغلامي يحفظان حفظك» «٢» .
كان مجاهد شغوفا بالعلم، وخاصّة التفسير، روى الفضل بن ميمون عن مجاهد قال «٣»: عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاثين مرّة.
ويقول أيضا «٤»: عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاث عرضات، أقف عند كلّ آية، أسأله، فيم نزلت، وكيف كانت؟
ولا تعارض بين الرّوايتين، فالأولى لتمام الضّبط والتجويد، والثانية للعلم والتفسير.
أسند مجاهد عن أعلام الصحابة وعلمائهم، عن ابن عمر، وابن عبّاس، وأبي هريرة، وابن عمرو، وأبي سعيد، ورافع بن خديج وروى عنه خلق من التابعين «٥» .
مكانته في التّفسير: كان مجاهد أقلّ أصحاب ابن عبّاس رواية عنه في التفسير، وكان أوثقهم.
قال سفيان الثّوريّ «٦»: «إذا جاءك التّفسير عن مجاهد، فحسبك به» .
وقال ابن تيميّة «٧»: «ولذا يعتمد على تفسيره الشافعيّ والبخاريّ وغيرهما من أهل العلم» غير أن بعض العلماء كان لا يأخذ بتفسيره يقول أبو بكر بن عيّاش: قلت للأعمش، ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو: ما بالهم يتّقون تفسير مجاهد؟
_________________
(١) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٤٦، «تهذيب التهذيب» ١٠/ ٤٢، «البداية والنهاية» ٩/ ٢٣٢.
(٢) «ميزان الاعتدال» ٣/ ٩.
(٣) «ميزان الاعتدال» ٣/ ٩.
(٤) «تهذيب التهذيب» ١٠/ ٤٢. []
(٥) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٣٢.
(٦) «تفسير الطبري» ١/ ٣٠.
(٧) «مقدمة في أصول التفسير» ص ٧ لابن تيمية.
[ ١ / ٦٦ ]
قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب «١» .
لكن هذا لا يقدح في صدقه وعدالته فقد «أجمعت الأمّة على إمامته والاحتجاج به، وقد أخرج له أصحاب الكتب السّتّة» «٢» .
ثم إنّ سؤال أهل الكتاب أمر مباح- فيما لا يتعلّق بحكم تشريعيّ- أباحه الرسول ﷺ «٣» .
كان مجاهد﵁- يعطي عقله حرّيّة واسعة في فهم بعض نصوص القرآن التي يبدو ظاهرها بعيدا فإذا ما مرّ بنصّ قرآنيّ من هذا القبيل، وجدناه ينزّله بكلّ صراحة ووضوح على التشبيه والتمثيل، وتلك الخطّة كانت فيما بعد مبدأ معترفا به، ومقرّرا لدى المعتزلة في تفسير القرآن بالنسبة لمثل هذه النصوص» «٤» .
نموذج من تفسير مجاهد: روى ابن كثير أن مجاهدا قال في قوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان: ٢٠]، قال: أما الظاهرة: فالإسلام والقرآن والرسول والرّزق، وأما الباطنة: فما ستر من العيوب والذنوب «٥» .
وقال في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١] قال:
من لم يتب إذا أصبح وإذا أمسى، فهو من الظّالمين «٦» .