هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم يلتقي مع الرسول ﷺ في الجدّ الأول (عبد المطلب)، فهو ابن عمّ رسول الله.
ولد إبّان المقاطعة الاقتصادية الّتي فرضتها قريش على بني المطّلب، أيّ: قبل الهجرة بثلاث سنوات.
لازم ابن عبّاس رسول الله ﷺ، لكنّ الرسول توفّي ولابن عباس من العمر ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة.
وقد حظي ابن عبّاس بدعوة رسول الله له حين قال ﷺ: «اللهمّ، علّمه الكتاب والحكمة» .
وفي رواية: «اللهمّ، فقّهه في الدّين وعلّمه التّأويل» .
واستجيبت دعوة الرسول ﷺ، فكان عبد الله بن عبّاس «ترجمان القرآن» يقول ابن مسعود:
«نعم ترجمان القرآن ابن عبّاس» وذلك لبراعته في التفسير، كما لقّب بالحبر لغزارة علمه، وبالبحر كذلك.
_________________
(١) راجع «التفسير والمفسرون» ١/ ٩٢، ٩٣.
(٢) بعض الكتب التي تترجم للمفسرين من الصحابة تقدم ابن عباس على سائر الصحابة لتفوقه في هذا العلم، وبعضها ترجئه بعد الثّلاثة السابقين لتقدمهم في السن عليه وحداثته بينهم.
[ ١ / ٥٦ ]
وإذا كان ابن عبّاس قد فاته طول الصّحبة للرسول ﷺ، فقد استعاض عن ذلك بملازمة كبار الصحابة، يسألهم، ويتعرّف أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك.
يقول ابن عبّاس «١»:
«لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطّاب عن المرأتين من أزواج النبيّ ﷺ اللّتين قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ [التحريم: ٤]، ولم أزل أتلطّف له حتّى عرفت أنهما حفصة وعائشة» .
ويقول:
«وجدت عامّة حديث رسول الله ﷺ عند الأنصار فإنّي كنت لآتي الرّجل، فأجده نائما، لو شئت أن يوقظ لي لأوقظ، فأجلس على بابه تسفي على وجهي الرّيح، حتّى يستيقظ متى ما استيقظ، وأسأله عمّا أريد ثمّ أنصرف» .
لقد تلمذ ابن عبّاس على رسول الله ﷺ أوّلا، فكان الرسول يعلّمه ويربّيه، قال له يوما:
«يا غُلاَمُ، إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصّحف» .
وفي خلافة عمر كان لابن عبّاس تقدير خاصّ عنده، فكان يدنيه من مجلسه، رغم حداثة سنّه- كما ذكرنا.
وقد أفاد ابن عبّاس من هؤلاء الذين يعدّون بمثابة شيوخه:
عمر بن الخطّاب، وأبيّ بن كعب، وعليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، روى عبد الرزّاق عن معمر قال «٢»:
«عامّة علم ابن عبّاس من ثلاثة: عمر وعليّ وأبيّ بن كعب» .
وذكر ابن الأثير الجزريّ في ترجمة ابن عبّاس أنه «٣» «حفظ المحكم في زمن
_________________
(١) «الجامع لأحكام القرآن» / للقرطبي ١/ ٢٢.
(٢) «تذكرة الحفاظ» للذهبي ١/ ٤١.
(٣) «طبقات القراء» ٤٢٥.
[ ١ / ٥٧ ]
النبيّ ﷺ، ثم عرض القرآن على أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، وقيل: إنّه قرأ على علي بن أبي طالب﵁» .
لقد أوتي ابن عبّاس علما غزيرا جعله أبرز المفسّرين، وأتمّهم اضطلاعا بالتفسير حتّى إنه «لم يبق عند منتصف القرن الأوّل من الهجرة من بين الصحابة وغيرهم إلّا مذعن لابن عبّاس، مسلّم له مقدرته الموفّقة، وموهبته العجيبة، وعلمه الواسع في تفسير القرآن» «١» .
لقد امتلك ابن عبّاس أدوات المفسّر فكان عالما بأسرار العربيّة يحفظ الكثير من الشّعر القديم، ويحثّ النّاس على النّظر فيه قائلا «٢»:
«إذا تعاجم شيء من القرآن، فانظروا في الشّعر فإنّ الشّعر عربيّ» .
وهو القائل «٣»:
«الشّعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الّذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه» .
وقد ذكر السّيوطيّ بسنده حوارا دار بين نافع بن الأزرق وابن عبّاس فقال «٤»:
بينا عبد الله بن عبّاس جالس بفناء الكعبة، قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر:
قم بنا إلى هذا الذي يجترىء على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه، فقالا:
إنّا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسّرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب فإنّ الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربيّ مبين، فقال ابن عبّاس: سلاني عما بدا لكما، فقال نافع:
أخبرني عن قول الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ [المعارج: ٣٧] .
قال: العزون: حلق الرّفاق.
_________________
(١) «التفسير ورجاله» / ابن عاشور ص ١٦.
(٢) «التفسير ورجاله» / ابن عاشور ص ١٧.
(٣) «الإتقان» ١/ ١١٩، «غاية النهاية في طبقات القراء» ٤٢٦.
(٤) «الإتقان» ١/ ١٢٠.
[ ١ / ٥٨ ]
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول: [الوافر]
فجاءوا يهرعون إليه حتّى يكونوا حول منبره عزينا
قال: أخبرني عن قوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة: ٣٥] .
قال: الوسيلة: الحاجة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت عنترة وهو يقول: [الكامل]
إنّ الرّجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي
إلى آخر المسائل وأجوبتها «١» .
وهي إن دلّت فإنما تدلّ على سعة علمه بلغة العرب، وقوّة ذاكرته مما جعله إمام التّفسير في عهد الصحابة، ومرجع المفسّرين في الأعصر التالية لعصره، وهو إمام مدرسة التفسير في مكّة، وأوّل من ابتدع الطريقة اللّغويّة في تفسير القرآن.