هو: عطاء بن أبي رباح، وأبو رباح هو: أسلم بن صفوان، مولى آل أبي ميسرة بن أبي حثيم الفهريّ «١» .
سيّد التابعين علما وعملا وإتقانا في زمانه بمكّة «٢» .
قال ابن سعد «٣»:
_________________
(١) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٦٧، «وفيات الأعيان» ١/ ٣١٨، «البداية والنهاية» ٩/ ٣١٧، ٣١٨.
(٢) «ميزان الاعتدال» ٣/ ٧٠.
(٣) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٩٦، «البداية والنهاية» ٩/ ٣١٨.
[ ١ / ٧١ ]
سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود، أعور، أفطس، أشلّ، أعرج، ثمّ عمي بعد ذلك، وكان ثقة، فقيها، عالما، كثير الحديث.
قال أبو جعفر الباقر وغير واحد «١»:
ما بقي أحد في زمانه أعلم بالمناسك منه، وزاد بعضهم: وكان قد حجّ سبعين حجّة، وعمّر مائة سنة، وكان في آخر عمره يفطر في رمضان من الكبر والضّعف، ويفدي عن إفطاره.
روى عن عدد كثير من الصحابة، منهم: ابن عمر، وابن عمرو، وعبد الله بن الزّبير، وأبو هريرة، وغيرهم.
وسمع من ابن عبّاس التفسير وغيره، وروى عنه من التابعين عدّة، منهم: الزّهري، وعمرو بن دينار، وقتادة، والأعمش، وغيرهم «٢» .
مكانته في التّفسير: كان ابن عبّاس يقول لأهل مكّة إذا جلسوا إليه: تجتمعون إليّ يأهل مكّة، وعندكم عطاء؟ «٣» .
وقال قتادة «٤»:
كان أعلم التابعين أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسّير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام.
لم يكن عطاء مكثرا من رواية التّفسير عن ابن عبّاس فضلا عن تفسيره هو، ولعلّ إقلاله في التفسير يرجع إلى تحرّجه من القول بالرّأي «٥» .
قال عبد العزيز بن رفيع «٦»: سئل عطاء عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إني أستحي من الله أن يدان في الأرض برأيي.
_________________
(١) «البداية والنهاية» ٩/ ٣١٨.
(٢) «البداية والنهاية» ٩/ ٣١٨.
(٣) «تذكرة الحفاظ» ١/ ٩١.
(٤) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٩٦.
(٥) «التفسير والمفسرون» ١/ ١١٥.
(٦) «التفسير والمفسرون» ١/ ١١٥.
[ ١ / ٧٢ ]
لكنّه كان يدلي برأيه- أحيانا- في التفسير.
روى الطبرانيّ- بسنده- عن يحيى بن ربيعة الصّنعانيّ قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول في قوله تعالى: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [النمل: ٤٨] قال: كانوا يقرضون الدّراهم، قيل: كانوا يقصّون منها ويقطعونها «١» .
وقيل لعطاء: إن هاهنا قوما يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [محمد: ١٧]، فما هذا الهدى الذي زادهم؟ قلت: ويزعمون أن الصلاة والزكاة ليستا من دين الله، فقال: قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥] فجعل ذلك دينا «٢» .
وتوفّي﵁- سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة «٣» .
وبعد:
فهذه هي مدرسة التّفسير بمكّة، تلك التي أسّسها حبر الأمّة عبد الله بن عبّاس، وهؤلاء أشهر شيوخها الذين تخرّجوا فيها على يدي ابن عبّاس، وفي نهاية مطافنا معها نرصد ما يلي:
كان لهذه المدرسة دور ضخم في نشر التفسير، وقد هيأ لها هذا الدّور: نبوغ شيوخها، بالإضافة إلى موطن المدرسة «مكّة» حيث البيت الحرام الذي يأتيه الناس من كلّ فجّ عميق.
لم يكتف شيوخ هذه المدرسة بنشر التفسير في مكّة، وإنما كان لهم دور بالغ الأهمية خارج مكّة فقد كان لسعيد بن جبير رحلة إلى الرّيّ نشر فيها الكثير من العلم «٤»، وكذلك كان لمجاهد رحلات خارج مكّة، واستقر طاوس باليمن ينشر هناك علم ابن عباس وتفسيره، وأما عكرمة فقد طاف البلاد الإسلاميّة شرقا وغربا إذ رحل إلى خراسان، واليمن، والعراق، والشّام، ومصر، والحرمين «٥» .
_________________
(١) (١، ٢) «البداية والنهاية» ٩/ ٣١٨، ٣١٩.
(٢) «المصدر نفسه» ٩/ ٣١٧.
(٣) راجع: «حبر الأمة عبد الله بن عباس» ص ١٤٥.
(٤) راجع: «وفيات الأعيان» ١/ ٣١٩، «معجم الأدباء» ١٢/ ١٨١، «البداية والنهاية» ٩/ ٢٥٤.
[ ١ / ٧٣ ]
جزى الله هؤلاء الأعلام عن القرآن والمسلمين خير الجزاء.