بعد أن اتضحت لنا الصورة العامة للحركة العلمية في المدة التي عاشها الإمام الثعلبي من بعد منتصف القرن الرابع، إلى سنة وفاته (٤٢٧ هـ).
نريد بعد ذلك أن نستجلي الصورة مفصَّلة عن الحركة العلمية في موطن الثعلبي، نيسابور.
كانت نيسابور معظم هذِه المدة، تنعم في ظل الدولة الغزنوية، بقيادة ملكها الصالح محمود الغزنوي الذي كان بلاطه حافلًا بالعلم والعلماء، لما اتصف به من حب للعلم وأهله.
جاء في "المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور" في ترجمة السلطان محمود: كان مجلسه مورد العلماء ومقصد الأئمة والقضاة، يعرف لكل واحد حقه، ويخاطبه بما يستحقه، ويستدعي الأكابر والصدور والعلماء من كل فن إلى حضرة غزنة، ويبوئهم من ظله وإنعامه وإكرامه المحل الرفيع، ويصلهم بالصلاة السنيَّة (٢).
لقد كانت نيسابور من أهم وأبرز مراكز العلم والفكر، ولذا نجد الإمام السخاوي ﵀ يصفها بأنها دار السنة والعوالي وكان
_________________
(١) انظر: "ظهر الإسلام" لأحمد أمين ٤/ ١، و"الثعلبي ودراسة كتابه الكشف والبيان" ١/ ١٨.
(٢) "المنتخب" (١٥٠٦).
[ ١ / ٤٠ ]
يتوافد إليها العلماء باستمرار، حتى اكتسحها المغول (١).
وإذا علمنا أنَّ أبا عبد الله الحاكم لمَّا ألَّف كتابه الكبير "تاريخ نيسابور" ضمَّنه ترجمة (١٣٧٥) عالمًا من علماء نيسابور، والواردين عليها، ثم ذكر عبد الغافر الفارسي في "السياق لتاريخ نيسابور" وهو ذيل على "تاريخ نيسابور" ومختصر له، (١٦٩٩) عالمًا من علمائها والواردين عليها.
إذا علمنا ذلك اتضح لنا بجلاء مدى ازدهار نيسابور آنذاك بالعلم وأهله، وأنها بحق معقلٌ عظيمٌ من معاقل العلم والعلماء (٢).