لم يتعرض الإمام الثعلبي ﵀ لبيان اعتقاده في مؤلف خاص كما جرت به عادة بعض المتقدمين، إلا أنه من خلال تفسيره لكلام الله ﷿ كان لزامًا عليه أن يتعرض للكثير من المباحث العقدية ويبين عن رأيه فيها.
وليس بوسعنا في هذا المقام أن نعرض لجميع المواطن التي ناقش الثعلبي فيها مباحث عقدية وإن كان هذا الأمر مهمًا لمن أراد أن يصدر عن رأي دقيق وتفصيلي حول منهج هذا الإمام في إثبات مسائل العقيدة.
ولكن حسبنا في مثل هذِه العجالة أن نعرض لبعض المواضع التي عبر فيها المصنف عن آرائه حول بعض مسائل الاعتقاد التي تلقي الضوء على المنهج العام الذي سار عليه المصنف ﵀ في تناول مسائل العقيدة، فنقول وبالله التوفيق:
إن المتأمل لتفسير أبي إسحاق يجد أنه تعرض من خلاله لكثير من مباحث العقيدة المتنوعة، فقد تعرض لمسائل الإيمان، والقدر، واليوم الآخر، والنبوات، والتوحيد وغيرها من المباحث.
وكان في أكثر هذِه المباحث مُبينًا عن الحق بدليله، ذابًّا عن منهج أهل السنة والجماعة، رادًّا على الفرق الضالة والمنحرفة.
[ ١ / ٩٥ ]
فنجده يعرض عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ للإيمان وحقيقته، ويعقد لذلك فصلًا يقرر فيه أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة مؤلف من القول والاعتقاد والعمل، واستدل لذلك بأحاديث أخرجها بسنده.
ثم هو عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة: ١٢٤]، نجده يبين عن مذهب أهل السنة والجماعة القائلين بزيادة الإيمان ونقصانه، فنجده يسوق في ذلك الآثار فيقول: قال مجاهد في هذِه الآية: الإيمان يزيد وينقص، وقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: لو وزن إيمان أبي بكر - ﵁ - بإيمان أهل الأرض لرجحهم، بلي إن الإيمان ليزيد وينقص. قالها ثلاث مرات.
وروى زبيد اليامي عن ذر قال: كان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: تعالوا حتى نزداد إيمانا.
قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب كلما ازداد الإيمان عظما ازداد البياض حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب فكلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد حتى يسود القلب كله. وايم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: إن للإيمان سننًا وشرائع وحدودًا وفرائض من استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها
[ ١ / ٩٦ ]
لم يستكمل الإيمان.
وقال ابن المبارك: لم أجد بُدًّا من الإقرار بزيادة الإيمان أو أردَّ كتاب الله تعالى.
ونجد المصنف ﵀ عند قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، يذكر أقوال الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، ثم يرد عليهم. ثم يبين العقيدة الصحيحة في هذِه المسألة بقوله: وعندنا أن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا فإنه لا يكفر بقتله، ولا يخرج به عن الإيمان إلا إذا فعل ذلك على جهة الاستحلال والديانة (١). وذكر الأدلة على هذا.
وهذا القول الذي قرره هو قول أهل السنة والجماعة (٢).
وكذلك نجد الثعلبي يقرِّر العقيدة الصحيحة في مسألة رؤية الله ﷿ في الآخرة عند قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فيثبت الرؤية كما أثبتها أهل السنة والجماعة، مستدلًا على ذلك بنصوص الكتاب والسنة. خلافًا لما ذهب إليه المعتزلة إذ نفوا هذِه الرؤية.
وها هو يستفتح تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ بإسناده لحديث أنس - ﵁ - في تفسير النبي - ﷺ - للزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم، ويبين أن ذلك هو قول أبي بكر وحذيفة وأبي موسى
_________________
(١) "الثعلبي ودراسة كتابه" ١/ ٥٧.
(٢) انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٢١١).
[ ١ / ٩٧ ]