بعد أن ثبت لدينا أنَّ اسم تفسير الثعلبي هو "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" نأتي بعد ذلك إلى إثبات نسبة هذا الكتاب إلى الإمام الثعلبي.
فنقول: إنَّ نسبة هذا الكتاب إلى الثعلبي ثابتة ثبوتًا قويًّا، وذلك من خلال الأدلة القويَّة، والبراهين الساطعة، التي أثبتت أيَّما إثبات أنَّ هذا التفسير هو للثعلبي، حتى غدا ذلك أمرًا واضحًا مشهورًا، لا يقبل المِراء ولا الاختلاف.
ومن الأدلة المثبتة لنسبة "الكشف والبيان" إلى الإمام الثعلبي ما يأتي:
١ - رواية الكتاب بالإسناد المتصل إلى مؤلفه. ومن الذين رووا هذا التفسير:
أ- أبو الحسن الواحدي التلميذ المشهور للإمام الثعلبي وراوية تفسيره.
ففي بداية النسخة المحمودية للكشف والبيان، ذُكر إسناد متصل، يرويه المقرئ أبو عمران موسى بن على بن الحسن الجزري، عن شيخه الإمام الأوحد الحافظ أبي محمد عبد الله بن على التكريتي في شوال سنة إحدى وثمانين وخمس مئة، قال: أخبرنا الشيخ الإمام بقية الشرق أبو الفضل بن أبي الخير الميهني، قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن على بن أحمد الواحدي، قال: أخبرنا المصنّف
[ ١ / ١٢٣ ]
أبو إسحاق الثعلبي (١).
ب- ورُوي التفسير من طريق آخر عن الواحدي أيضًا إذ رواه ابن خير الإشبيلي في "فهرسة ما رواه عن شيوخه" عن شيخه القاضي عياض بسنده إلى الواحدي عن الثعلبي.
فقد قال الإشبيلي: كتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن"، تصنيف الأستاذ أبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي ﵀.
حدثني به الفقيه القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي ﵀ إجازة فيما كتب به إليَّ، قال: حدثني الشيخ أبو سعيد حيدر بن يحيى بن حيدر بن يحيى الحنبلي الصوفي المجاور بمكة إجازةً فيما كتب به إلى بخط يده من مكة حرسها الله، قال: حدثنا القاضي أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، قال: حدثنا أبو الحسن على بن أحمد الواحدي، عن أبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي مؤلفه (٢).
جـ - وروى هذا التفسير أيضًا الإمام أبو محمد البغوي في كتابه "معالم التنزيل" من طريق تلميذ الثعلبي أبي سعيد الشُّريحي الخوارزمي.
إذ قال في مقدمة تفسيره: وما نقلتُه فيه من التفسير عن عبد الله بن عباس - ﵄ - حبر هذِه الأمة ومن بعده من التابعين وأئمة السلف فأكثرها مما أخبرني الشيخ أبو سعيد أحمد بن محمد الشّريحي الخوارزمي فيما
_________________
(١) "النسخة المحمودية" الأصل ق ١/ أ.
(٢) "فهرست ابن خير" (ص ٥٣).
[ ١ / ١٢٤ ]
قرأته عليه، عن الأستاذ أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي عن شيوخه (١). ثم ذكر الأسانيد في ذلك.
د- ومِمَّن روى هذا التفسير بالإسناد المتصل إلى مؤلفه: الإمام عز الدين ابن الأثير في كتابه "أسد الغابة"، إذ ذكر في مقدمة كتابه الكتب الكبار التي خرَّج منها الأحاديث وغيرها، وذكر في أول هذِه الكتب "تفسير الثعلبي"، ثم ساق روايته لهذا الكتاب من طريق تلميذ الثعلبي أحمد بن خلف الشيرازي فقال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن عثمان بن أبي على بن مهدي الزَّرَزَارِيُّ الشيخ الصالح رحمه الله تعالى قال: أخبرنا الرئيس مسعود بن الحسن بن القاسم الأصبهاني، وأبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي، قالا: أخبرنا أحمد بن خلف الشيرازي، قال: أنبأنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي بجميع كتاب "الكشف والبيان في تفسير القرآن". سمعت عليه من أول الكتاب إلى آخر سورة النساء، وأما من أول سورة المائدة إلى آخر الكتاب، فإنه حصل لي بعضُه سماعًا وبعضه إجازةً، واختلط السماع بالإجازة فأنا أقول فيه: أخبرنا به إجازةً إن لم يكن سماعًا. فإذا قلت: أخبرنا أحمد بإسناده إلى الثعلبي، فهو بهذا الإسناد (٢).
هـ - وروى الكتاب أيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢)
_________________
(١) "تفسير البغوي" ١/ ٢٨.
(٢) "أسد الغابة" ١/ ١١٥.
[ ١ / ١٢٥ ]
الإمام المشهور، في كتابه "المعجم المفهرس" الذي ذكر فيه مروياته إلى الكتب المشهورة، والأجزاء المنثورة.
وقد روى تفسير الثعلبي عن طريق تلميذه: أبي سعيد الفَرُّخْراذي.
قال ابن حجر ﵀ "كتاب الكشف والبيان في تفسير القرآن" لأبي إسحاق الثعلبي. أخبرنا الكمال أحمد بن على بن عبد الحق مشافهةً، عن الحافظ أبي الحجاج المزي، وأبي محمد القاسم بن محمد البرزالي في آخرين، قالوا: أنبأنا أبو الحسن على بن أحمد ابن عبد الواحد بن البخاري، إجازةً إن لم يكن سماعًا، عن منصور ابن عبد المنعم، وعبد الله بن عمر الصفَّار، والمؤيَّد بن محمد الطوسي، قالوا: أنبأنا أبو محمد العباس بن محمد بن أبي منصور العَصَّاري الطُّوسي، المعروف بعبَّاسة، أنبأنا أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد بن فَرُّخْراذ الفَرُّخْراذي، أنبأنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي به (١).
و- ومن الذين رووا هذا التفسير أيضًا تلميذ المصنف أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد القطَّان (ت ٤٧٨ هـ). كما نقل ذلك السبكي في "طبقات الشافعية" إذ قال عند ترجمته: وقد روى تفسير الثعلبي عن المصنِّف (٢).
٢ - ومن الأدلة على ثبوت نسبة هذا التفسير للثعلبي تعاقب العلماء
_________________
(١) "المعجم المفهرس" (ص ١١٢، ٣٩٢).
(٢) "طبقات الشافعية الكبرى" ٥/ ١٥٢.
[ ١ / ١٢٦ ]
على الإفادة منه، إما بالنقل منه، أو اختصاره، أو نحو ذلك مما سيأتي تفصيله عند الكلام على أهمية الكتاب في المبحث الرابع.
٣ - ومن الأدلة أيضًا الشهرة الواسعة لنسبة هذا التفسير للثعلبي. فلا تكاد تجد للثعلبي ذكرًا في كتب التراجم إلا مقرونًا بتفسيره.
فها هو على سبيل المثال عبد الغافر الفارسي يقول عن الثعلبي: صاحب التصانيف الجليلة، من التفسير الحاوي أنواع الفرائد، من المعاني والإشارات، وكلمات أرباب الحقائق، ووجوه الإعراب والقراءات، ثم كتاب العرائس والقصص، مما لا يحتاج إلى ذكره لشهرته (١).
ويقول ياقوت الحموي عنه أيضًا: المفسِّر، صاحب الكتاب المشهور بأيدي الناس، المعروف بـ "تفسير الثعلبي" (٢).
ويقول السيوطي: صاحب التفسير المشهور (٣).
ويقول تلميذه الواحدي: وله التفسير المُلقَّب بـ "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" (٤).
ويقول القفطي: وله التفسير المشهور (٥).
_________________
(١) "المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور" (١٩٧)، "معجم الأدباء" ٥/ ٣٦.
(٢) "معجم الأدباء" ٥/ ٣٦.
(٣) "طبقات المفسرين" (ص ١٧).
(٤) "البسيط" للواحدي ١/ ٤٢٤.
(٥) "إنباه الرواه" ١/ ١٥٤.
[ ١ / ١٢٧ ]
ويقول ابن خلِّكان: وصنَّف التفسير الكبير، الذي فاق غيره من التفاسير (١).
ويقول الذهبي: له كتاب التفسير الكبير (٢).
ويقول الأسنوي: صاحب التفسير المعروف (٣).
ويقول السبكي: صاحب التفسير (٤).
وهكذا اقترن ذكر الثعلبي بذكر تفسيره، فدل ذلك على أنَّ نسبته إليه مشهورة شهرة كبيرة.
٤ - ويضاف إلى ما سبق من الأدلة على إثبات نسبة هذا التفسير للثعلبي النسخ الخطيَّة الكثيرة لهذا الكتاب، المصدَّرة باسم الكتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن"، واسم مؤلفه: أبي إسحاق أحمد ابن محمد الثعلبي (٥).
وهكذا فإن ما سبق من الدلائل والبراهين تدل دلالةً قاطعة على ثبوت نسبة "الكشف والبيان" إلى أبي إسحاق الثعلبي ﵀.
_________________
(١) "وفيات الأعيان" ١/ ١٠٠.
(٢) "سير أعلام النبلاء" للذهبي ١٧/ ٤٣٥.
(٣) "طبقات الشافعية" ١/ ١٥٩.
(٤) المرجع السابق ٤/ ٥٨.
(٥) "الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط" ١/ ٨٣ وما بعدها.
[ ١ / ١٢٨ ]