تبيَّن لنا مما سبق أنَّ الحالة السياسية في تلك الحقبة من أيام الدولة العباسية -التي عاصرها الثعلبي- كانت حالة سيئة، بسبب التفرق والتشرذم، والحروب والصراعات التي كانت مستمرةً.
ولا شك بأن العلاقة وثيقة جدًّا بين الحالتين: السياسية، والاجتماعية، فالحالة الاجتماعية مرآةٌ للحالة السياسية، فإذا كانت الحالة السياسية مستقرَّة، وكانت الدولة قويةً عادلة، أثَّر ذلك في المجتمع، فأصبح مجتمعًا قويًّا متماسكًا، يسوده الأمن والاستقرار والرخاء.
وبعكس ذلك تصير الأمور، إذا كانت الحالة السياسية مضطربة، والسلطة ضعيفة لا تملك من أمرها شيئًا، فالحالة الاجتماعية -عندئذ- تنهار، فلا أمن ولا أمان، ولا هدوء ولا استقرار، وهذا ما حصل للدولة الإسلامية في هذِه المدة التي نتحدث عنها.
فالحروب والصراعات التي دارت أنهكت الاقتصاد، وقضت على الموارد، وشجعت على إشاعة الفوضى في شتى ميادين الحياة.
فالفزع والرعب سيطر على القلوب، بسبب اختلال الأمن، مما أوجد الفرصة للسلب والنهب فكثر العيَّارون (١)، وانتشر اللصوص
_________________
(١) العيَّارون: هم طائفة من الرعاع، وأحدهم لا يهتم بأمور عيشه، ولا يتقيّد بالدين، ولا بالمتعارف عليه بين الناس. انظر: "معجم المصطلحات والألقاب التاريخية" (ص ٣٢٨).
[ ١ / ٣٦ ]
وقطاع الطرق.
يقول ابن الأثير، في أحداث سنة (٤١٧ هـ): في هذِه السنة كثر تسلط الأتراك ببغداد، فأكثروا مصادرات الناس، وأخذوا الأموال. وعظم الخطب، وزاد الشر، وأُحرقت المنازل والدروب والأسواق، ودخل في الطمع العامة والعيَّارون، فكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره كما يفعل السلطان بمن يصادره. . (١).
بل إن السلب والنهب ما سلم منه الحكام أنفسهم، وهذا أكبر دليل على ضعفهم، ووهن سلطتهم كما سبق في الحالة السياسية.
نعم لقد كان ضعف السلطان سببًا مباشرًا لشيوع شريعة الغاب بين الناس في ذلك العهد، حتى انتشرت الفوضى ولم يسلم منها حتى الحكام.
يقول ابن الأثير في حوادث سنة (٤١٩ هـ): في هذِه السنة ثار الأتراك ببغداد على جلال الدولة، وشَغبوا ونهبوا صياغات أخرجها جلال الدولة لتضرب دنانير ودراهم وتفرق فيهم، وحصروا جلال الدولة في داره ومنعوه الطعام والماء. . .،
إلى أن قال: فباع جلال الدولة فرشه وثيابه وخيمه، وفرق ثمنها فيهم حتى سكتوا (٢).
وعن العيَّارين وما أحدثوه من نهب وسلب يقول ابن كثير: ثم
_________________
(١) "الكامل" ٨/ ١٥٦.
(٢) المصدر السابق ٨/ ١٦٥.
[ ١ / ٣٧ ]
دخلت سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، فيها عظم الخطب بأمر العيَّارين، عاثوا ببغداد فسادًا، وأخذوا الأموال والعملات الثقال ليلًا ونهارًا، وحرقوا مواضع كثيرة، وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلَّبتهم الشرط، فلم يفد ذلك شيئًا، ولا فكروا في الدولة، بل استمروا على ما هم عليه. . (١).
ولم يقتصر سوء الحال في تلك المدة على اختلال الأمن وإنَّما تعداه إلى نواحي المعيشة، فأثَّرت تلك الأوضاع السيئة في الناس من الناحية الاقتصادية والمعيشية، وصاحب تلك الحوادث غلاء شديد في المعيشة.
فقد اشتد الغلاء بخراسان جميعها، وعدم القوت، فكان الإنسان يصيح: الخبز، الخبز، ويموت (٢).
ويقول ابن كثير عن سنة (٣٧٣ هـ): فيها غلت الأسعار ببغداد ومات كثير من الناس جوعًا، وجافت الطرقات من الموتى من الجوع (٣).
وذكر الجوع أيضًا في سنة (٣٨٢ هـ)، وسنة (٣٩٣ هـ) (٤).
وهكذا كانت الحالة الاجتماعية فى هذِه الحقبة، اختل الأمن، وذهب الاستقرار والاطمئنان، وعمت الفوضى، وانتشر اللصوص
_________________
(١) "البداية والنهاية" ١١/ ٣٧٨.
(٢) "الكامل" لابن الأثير ٧/ ٣٣٤.
(٣) "البداية والنهاية" ١١/ ٣٦٤.
(٤) المصدر السابق ١١/ ٣٧٦، ١١/ ٤٠٤.
[ ١ / ٣٨ ]
والعيَّارون، وكثر السلب والنهب، واشتد الغلاء، وحدث الجوع. وكل ذلك انعكاس للحالة السياسية السيئة التي عاشتها البلاد آنذاك.
ونيسابور موطن الإمام الثعلبي، وإن كانت أحسن حالًا من غيرها، حيث تعيش في ظلال الدولة الغزنوية القوية آنذاك، إلا أنها لا بد أن تتأثر بما حولها، ولا بد أن يتأثر ساكنها أبو إسحاق الثعلبي بذلك.