الإيجابي الكبير بلا شك على الإمام الثعلبي، وحياته العلمية.
وأما السلاجقة: فقد بدأت حركاتهم وتهديداتهم للدولة الغزنوية منذ أوائل القرن الخامس، ولكن السلطان محمود كان يتغلب عليهم، ويتمكن منهم في بداية الأمر.
وخوفًا من خطر السلاجقة على الدولة، احتال محمود الغزنوي عليهم، وأبدى رغبته في التفاهم والصداقة معهم، وأرسل إليهم ليقرِّر موعدًا للقاء برؤساء السلاجقة.
وما إن ذهب إسرائيل زعيمهم للقائه قرب جيحون مع أعوانه، حتى قبض عليهم، وأودعوا غياهب السجن بإحدى قلاع الهند، حيث ظل إسرائيل في معتقله إلى أن مات سنة (٤٢٢ هـ).
ومن هنا بدأت لدى السلاجقة فكرة الانتقام، وأخذت قوتهم في الازدياد، وتحايل ميكائيل أخو إسرائيل على السلطان محمود، فاستأذنه في المرور من بلاده للإقامة بخراسان، فسمح له، فكان في ذلك فرصة للإعداد العسكري، فقاموا بعدة هجمات ضد الغزنويين، وكانت وفاة السلطان محمود الغزنوي سببًا آخر لرفع شأن جيوش السلاجقة، فيما بعد على يد (طغرل بك) و(داود) ابني ميكائيل، ومن هنا استطاع زعماء السلاجقة تنظيم صفوفهم، والاستيلاء على معظم بلاد خراسان، حتى وصلوا قاعدة الغزنويين نيسابور مقر إمامنا الثعلبي، وطلب السلاجقة من واليها السماح لهم بالإقامة بجوارها، فرفض، واندلعت نيران المعركة بينهم، حتى استطاع السلاجقة
[ ١ / ٣٣ ]
الانتصار على مسعود الغزنوي وجيشه انتصارًا ساحقًا. وكان ذلك عام (٤٢٩ هـ) وبذلك تم الاستيلاء الكامل على نيسابور، وجلس طغرل بك على عرش الغزنويين، معلنًا قيام دولة السلاجقة، وخطب له على منابر نيسابور ملقَّبًا بالسلطان الأعظم (١).
وبعد:
فنخلُص مما سبق إلى أن العصر الذي عاش فيه الثعلبي، كان عصر تفكك وانقسام، تميَّز بكثرة الدويلات الإسلامية المتناحرة، وتفشي الفساد السياسي، وانعدام السلطة المركزية.
إلا أنَّ الثعلبي ﵀ عاش جزءًا كبيرًا من حياته، بمنأى إلى حد كبير عن تلك الفوضى، وذلك في المدة التي عاشها تحت ظل الدولة الغزنوية بقيادة قائدها محمود الغزنوي، الذي جعل نيسابور مركزًا لدولته.
فعاشت نيسابور -آنذاك- وعاش فيها أبو إسحاق في استقرار، مكَّنه بلا شك من طلب العلم، وهيَّأ له الجوَّ المناسب لذلك.
_________________
(١) "الثعلبي ودراسة كتابه الكشف والبيان" ١/ ٨، وانظر: "الكامل" لابن الأثير ٥/ ١٧٠، "تاريخ الإسلام السياسي" ٤/ ٤، وكتاب "سلاجقة إيران والعراق" (ص ٢٤).
[ ١ / ٣٤ ]