وهم وإن تأخر تأسيس دولتهم، إلا أن بداياتهم كانت من أول القرن الخامس كما سيأتي.
أما البويهيون: فقد كانت لهم الغلبة والسيطرة على بغداد ونواحيها، وقد استبدوا بأمر الدولة، رُغم قربهم من مقر الخليفة، حيث شاركوه في بعض مظاهر الخلافة، إذ كان الأمير البويهي هو الذي يتولى إصدار الأوامر، أما الخليفة فما عليه إلا توقيعها، لتأخذ صفة الشرعية أمام الرأي العام (٢).
وأمَّا الغَزْنَويون: فقد قامت دولتهم على أنقاض الدولة السامانية، على يد محمود بن سُبُكتكين الغزنوي، إذ كانت بينه وبينهم مناوشات، انتهت بالنصر والتمكين له في خراسان، فأزال عنها اسم
_________________
(١) البويهيون: هم من سلالة الفرس، سكنوا الديلم، ولم يكونوا ذوي بال، إلى أن ظهر أبو شجاع بن بويه الذي صار هو وأولاده أمراء لهم جيوش، فأقاموا لأنفسهم سلطانًا قويًّا في العراق وفارس. والغزنويون: نسبةً إلى عاصمتهم غزنة، القريبة من كابل، امتد سلطانهم إلى شمال الهند كما سيأتي وخراسان، وسجستان، وأسس دولتهم ألْب تكين، وتولى حكمهم ستة عشر ملكًا، أشهرهم سبكتكين، وابنه محمود الغزنوي. والسلاجقة: فرع من الأتراك الغز، ونسبتهم إلى سلجوق بن فقاق، عاشوا أولًا في تركستان، ثم استقروا ببخارى، حتى سيطروا على خراسان بعد القضاء على البويهيين. انظر: "معجم المصطلحات والألقاب التاريخية" (ص ٣٣١، ٢٥٤).
(٢) انظر: "الكامل في التاريخ" ٨/ ٤٦٦.
[ ١ / ٣١ ]
السامانية، وخطب للقادر بالله سنة (٣٨٩ هـ) وجعل أخاه نصرًا قائدًا لجند نيسابور، وسار هو إلى بلخ، فاتخذها دار ملك له، واتفق أصحاب الأطراف على طاعته (١).
وكان محمود هذا من أعظم ملوكهم، وأكثرهم فتوحًا، وأشدهم بطشًا بأعدائه، حتى ألقى بزعماء السلاجقة في غياهب السجون، وفي عهده توسعت الدولة الغزنوية خارج بلاد غزنة، فقد ضم بلاد الغور، ثم أدخل جزءًا عظيمًا من بلاد الهند تحت سلطانه، وأسلم على يديه أكثر ملوك الهند، ومن الجهة الأخرى ضُمَّت إليه خراسان والري والجبال، ودانت له ملوك طبرستان وجرجان، ولم يزل في عزه وسلطانه، إلى أن أدركته الوفاة سنة (٤٢١ هـ).
وبعد وفاة هذا القائد العظيم دبَّ النزاع بين ولديه محمد، ومسعود، مما شجع السلاجقة على تجميع صفوفهم، وإعادة كرتهم في محاولة الاستيلاء على خراسان، حتى تمكنوا من ذلك سنة (٤٢٩ هـ) وأعلنوا قيام دولتهم (٢).
وقد عاصر أبو إسحاق الثعلبي الغزنويين، وهم في أوج قوتهم، وكانت نيسابور موطن الثعلبي تنعم بحكم محمود الغزنوي في استقرار سياسي، وأمن داخلي، وقوة دينية، مما كان له الأثر
_________________
(١) انظر: "الكامل" ٧/ ٣١٥، ٣٣٥، "النجوم الزاهرة" ٤/ ٢٠٠، "تاريخ الإسلام السياسي" ٣/ ٨٨.
(٢) "الدولة العباسية" للخضري (ص ٣٤٦).
[ ١ / ٣٢ ]