وقال ابن عباس: أول صلاة قصرت صلاة العصر، قصرها رسول الله - ﷺ - بعسفان، في غزوة ذي أنمار (١).
١٠٢ - قوله ﷿: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾
روى الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري قالا: إن المشركين لما رأوا رسول الله - ﷺ - وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون جميعًا، ورسول الله - ﷺ - يؤمهم ندموا على تركهم، ألا كانوا أكبوا عليهم، فقال بعضهم لبعض دعوهم، فإن لهم بعدها صلاة، هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم -يعني: صلاة العصر- فإذا رأيتموهم قد قاموا فيها فشدوا
_________________
(١) حديث قصر الرسول - ﷺ - الصلاة في غزوة ذي أنمار بعسفان أخرجه سعيد في "سننه" ٤/ ١٣٦٧ (٦٨٦)، وأبو داود كتاب صلاة المسافر، باب صلاة الخوف (١٢٣٦)، والحاكم ١/ ٤٨٧، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣/ ٢٥٦، والطبراني في "المعجم الكبير" ٥/ ٢٤٧ (٥١٤٠)، والطبري في "جامع البيان" ٥/ ٢٤٦ من طريق جرير عن منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقي، وهذا سند صحيح، وله شواهد كثيرة، كما قال أبو داود بعد الحكم على الإسناد للحديث. وأما طريق ابن عباس الَّذي ذكره المصنف فهو مختصر من قصة طويلة أخرجها الحاكم في "المستدرك" ٣/ ٣٢ من طريق ابن عباس، وقال: صحيح على شرط البخاري. وعسفان -بضم أوله وسكون ثانيه- قرية حاضرة، بها نخيل ومزارع في طريق مكة- المدينة، وهي حد تهامة. انظر: "معجم البلدان ٤/ ١٢١.
(٢) محمد بن السائب، متهم بالكذب، ورمي بالرفض.
(٣) مولى أم هانئ، ضعيف، يرسل.
[ ١٠ / ٥٦٣ ]
عليهم فاقتلوهم. فلما قاموا إلى صلاة العصر، نزل جبريل ﵇ فقال: يا محمد، إنها صلاة الخوف، وإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ أي: مقيمًا، يعني: شهيدًا معهم ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ قال: فعلمه جبريل صلاة الخوف، فلما قام النبي - ﷺ - إلى الصلاة، صف أصحابه صفين، ثم كبر، فكبروا جميعًا، ثم إن الصف الآخر استقبلوا العدو بوجوههم، يحرسون النبي - ﷺ - وأصحابه، فصلى رسول الله - ﷺ - بالصف الَّذي معه ركعة وسجدتين، ثم قام فنكصوا وراءهم، من غير أن يتكلموا إلى مصاف أصحابهم، وتقدم (١) الآخرون، حتَّى قاموا خلف النبي - ﷺ - فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم تشهد وسلم، ثم قام الصف الَّذي خلفه فرجعوا إلى مصاف أصحابهم، فكانت لرسول الله - ﷺ - (ركعتين) (٢)، وأربع سجدات، وللقوم ركعة وسجدتان، وصلى كل إنسان منهم لنفسه ركعة وسجدتين (٣).
_________________
(١) في الأصل، (ت): نكص، والمثبت من (م).
(٢) ساقطة من (ت)، وفي (م): ركعتان.
(٣) [*] الحكم على الإسناد: فيه الكلبي متهم بالكذب. =
[ ١٠ / ٥٦٤ ]
ذكر حكم الآية:
اختلف العلماء في كيفية صلاة الخوف، فقال الشافعي ﵀: إذا صلوا في سفر صلاة الخوف من عدو غير مأمون صلى الإمام بطائفة ركعة وطائفة وجاه العدو، فإذا فرغ منها قام، فثبت قائمًا وأطال وأتمت الطائفة الركعة التي بقيت عليها، تقرأ بأم القرآن وسورة، وتخفف، ثم تسلم، وتنصرف، فتقف وجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بها الإمام الركعة الثانية، التي بقيت عليه فيقرأ فيها بعد إتيانهم بأم القرآن وسورة قصيرة، ويثبت جالسًا، وتقوم الطائفة فتتم لأنفسها الركعة التي بقيت عليها بأم القرآن وسورة قصيرة، ثم تجلس مع الإمام قدر ما يعلمهم تشهدوا، ثم يسلم بهم، وقد صلت الطائفتان جميعًا مع الإمام، وأخذت كل واحدة منهما مع إمامها ما أخذت الأخرى منه (١).
واحتج بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية، واحتج أيضًا [٣٤٧] بأن النبي - ﷺ - فعل نحو ذلك يوم ذات الرقاع (٢).
_________________
(١) = التخريج: أخرج أثر ابن عباس: الطبري في "جامع البيان" ٥/ ٢٥٦، والحاكم في "المستدرك" ٣/ ٣٢، والواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٨٢) من طريق عكرمة عنه. وسيأتي تخريج حديث جابر في غزوة ذات الرقاع.
(٢) انظر: "الأم" للشافعي ١/ ٢٤٣.
(٣) الحديث سيأتي من طريق جابر، وسهل بن أبي حثمة.
[ ١٠ / ٥٦٥ ]
وروى معاولة بن صالح (١)، عن علي بن أبي طلحة (٢)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾: فهذا في الصلاة عند الخوف، يقوم الإمام، وتقوم معه طائفة منهم، وطائفة يأخذون أسلحتهم، ويقفون بإزاء العدو، فيصلي الإمام بمن معه ركعة ثم يثبت قائمًا، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية، ثم ينصرفون، حتَّى يأتوا أصحابهم فيقفون موقفهم، ثم يقبل الآخرون، فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ثم يجلس الإمام فينتظرهم، فيقوم القوم ويصلون لأنفسهم الركعة الثانية، ويتشهدون ثم يسلم بهم، فهكذا صلى رسول الله - ﷺ - بالناس يوم ذات الرقاع (٣). (٤)
ويدل على صحة هذا أيضًا حديث سهل بن أبي حثمة (٥)، وهو:
[١١٩٧] ما أخبرنا أبو الحسين بن (٦) أحمد بن محمد بن عمر بن
_________________
(١) ابن حدير الحضرمي، صدوق له أوهام.
(٢) صدوق قد يخطئ، أرسل عن ابن عباس ولم يره.
(٣) في "جامع البيان" للطبري ٥/ ٢٥٣: يوم بطن نخلة، وهي هي.
(٤) الحكم على الإسناد: فيه ابن أبي طلحة يرسل عن ابن عباس.
(٥) ابن ساعدة بن عامر الأوسي الأنصاري، مختلف في اسم أبيه، قيل: إن عمره يوم مات النبي - ﷺ - كان سبع سنين أو ثمان، ومات في أول خلافة معاوية - ﵁ -. انظر: "الإصابة" لابن حجر ٤/ ٢٧٢.
(٦) هكذا في النسخ، والصواب حذف (ابن)، وهو أبو الحسين الخفاف أحمد بن محمد. صحيح السماع والكتب.
[ ١٠ / ٥٦٦ ]
محمد الشيخ الصالح (١) أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران (٢)، ثنا محمد بن سهل بن عسكر (٣)، ثنا عبد الرزاق الصنعاني (٤) قال: أخبرني الثوري (٥)، عن يحيى بن سعيد (٦)، عن القاسم بن محمد (٧)، عن صالح بن خوات (٨)، عن سهل بن أبي حثمة (٩) - وكان من أصحاب النبي - ﷺ - قال: يقوم الإمام في صلاة الخوف، ويقوم صف خلفه، وصف يوازي العدو، فيصلي بهؤلاء ركعة، قال: فإذا صلى بهم ركعة ثم قاموا مكانه، والإمام قائم فقضوا ركعة، ثم ذهبوا هؤلاء إلى مصاف أولئك (١٠)
_________________
(١) في (ت): بقراءتي عليه، في شهر رمضان، سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. وهو أبو الحسين هو الخفاف.
(٢) السراج، إمام، حافظ، ثقة.
(٣) محمد بن سهل بن عسكر بن عمارة التميمي -ولاء- أبو بكر البخاري، ثقة.
(٤) ثقة، حافظ، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع.
(٥) سفيان بن سعيد، ثقة، حافظ، إمام، حجة، كان ربما دلس.
(٦) ابن قيس الأنصاري، ثقة، ثبت.
(٧) ابن أبي بكر الصديق، ثقة.
(٨) صالح بن خوات -بفتح الخاء، وتشديد الواو- بن جبير الأنصاري. روى عن: أبيه، وسهل بن أبي حثمة، وخاله عمر بن الخطاب. وعنه: القاسم، وعامر بن عبد الله. ثقة، قليل الحديث. انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد ٥/ ٢٥٩، "تهذيب الكمال" للمزي ١٣/ ٣٥، "تقريب التهذيب" لابن حجر (٢٨٥٢).
(٩) صحابي، جليل.
(١٠) في (م)، (ت): وجاءوا أولئك.
[ ١٠ / ٥٦٧ ]
فصلى بهم ركعة، ثم قاموا مكانهم، فقضوا ركعة (١).
قال الشافعي: وإن كانت صلاة المغرب، فإن صلى ركعتين بالطائفة الأولى وثبت قائمًا، فأتموا لأنفسهم فحسن، وإن ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم فجائز، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بها ما بقي عليه، ثم يثبت جالسًا حتى تقضي مابقي عليها، ثم يسلم بهم. قال: وإن كانت صلاة حضر، فلينتظر جالسًا في الثانية أو قائمًا في الثالثة، حتَّى تتم الطائفة التي معه، ثم تأتي الطائفة
_________________
(١) [١١٩٧] الحكم على الإسناد: إسناده صحيح. التخريج: أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (٤١٣١)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف (٨٤١)، والترمذي أبواب السفر، باب ما جاء في صلاة الخوف (٥٦٥)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٩٢٤) من طريق القاسم عن صالح عن سهل. وقد أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (٤١٢٩)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف (٨٤٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣/ ٢٥٢ وغيرهم، عن صالح بن خوات عمن شهد مع رسول الله - ﷺ - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف .. فذكر الصفة السابقة. وقد رجح ابن حجر في "فتح الباري" ٧/ ٤٨٧ - ٤٨٩ أن صالح بن خوات روى عن أبيه خوات بن جبير؛ لأن سهل بن أبي حثمة كان عمره ثماني سنين يوم مات النبي - ﷺ -، وقد أخرج البيهقي في "السنن الكبرى" ٣/ ٢٥٣ الحديث من طريق القاسم، عن صالح عن أبيه خوات. وعلى هذا فتكون رواية سهل من مراسيل الصحابة، ولا يضر ذلك صحة الحديث.
[ ١٠ / ٥٦٨ ]
الأخرى فيصلي بها، كما وصفت في الأخرى (١).
قال: وإن كان العدو قليلًا من ناحية القبلة، والمسلمون كثير يأمنونهم في مستوى لا يسترهم شيء إن حملوا عليهم رأوهم، صلى الإمام بهم جميعًا وركع، وسجد بهم جميعًا، إلا صفًّا يليه، أو بعض صف ينظرون العدو، فإذا قاموا بعد السجدتين سجد الذين (٢) حرسوا، فإذا ركع ركع بهم جميعًا، وإذا سجد سجد معه الذين حرسوا أولًا إلا صفًّا، أو بعض صف يحرسونه منهم، فإذا سجدوا سجدتين وجلسوا، سجد الذين حرسوا ثم يتشهد ويتشهدون ثم يسلم بهم جميعًا معًا، قال: فلو تأخر الصف الذين حرسوا إلى الصف الثاني، وتقدم الثاني وحرسوه، فلا بأس، فهذا نحو صلاة النبي - ﷺ - يوم عسفان (٣).
وروى شبل (٤)، عن ابن أبي نجيح (٥)، عن مجاهد (٦) ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قال: كان النبي - ﷺ - وأصحابه بعسفان، والمشركون بضجنان (٧)، فتوافقوا، فصلى النبي - ﷺ - بأصحابه صلاة
_________________
(١) انظر: "الأم" للشافعي ١/ ٢٤٤.
(٢) في (ت): الفريق.
(٣) انظر: "الأم" للشافعي ١/ ٢٤٧ - ٢٤٩، والمصنف نقل بالمعنى.
(٤) شبل بن عباد المكي، ثقة، رُمي بالقدر.
(٥) ثقة، رُمي بالقدر وربما دلس.
(٦) ثقة، إمام في التفسير وفي العلم.
(٧) ضجنان: بفتح الضاد، وسكون الجيم موضع أو جبل بين مكة والمدينة. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٣/ ٧٤ (ضجن) وتسمى الآن حرة المحسنية على مسافة ٥٤ كيلا من مكة. =
[ ١٠ / ٥٦٩ ]
الظهر أربعًا ركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فصلى العصر، فصف أصحابه صفين، ثم كبر بهم جميعًا، ثم سجد الأولون سجدة، والآخرون قيام ثم سجدوا حين قام النبي - ﷺ - والصف الأول، ثم كبر بهم وركعوا جميعًا، فتقدم الصف الأخير، واستأخر الصف الأول، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، وقصروا صلاة العصر إلى ركعتين (١).
ويشهد بهذا حديث جابر بن عبد الله (في صلاة الخوف) (٢):
[١١٩٨] الَّذي أخبرناه أبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف (٣) -بقراءتي عليه، أنا أبو العباس أحمد بن إسحاق السراج (٤)، ثنا أبو
_________________
(١) = انظر: "معجم المعالم الجغرافية" لعاتق البلادي (ص ١٨٣). ووقع عند الطبري في "جامع البيان" ٥/ ٢٥٧: والمشركون بضجنان بالماء الَّذي يلي مكة.
(٢) الحكم على الإسناد: رجاله ثقات. التخريج: أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٣/ ٥١١ (٨٣٥٤)، والطبري في "جامع البيان" ٥/ ٢٥٧، من طريق عمر بن ذر عن مجاهد مع اختلاف في الألفاظ، ومن طريق شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أيضًا، وقد سبق الحكم على الإسناد عن منصور، عن مجاهد (ص ٤٧٤).
(٣) من (م)، (ت).
(٤) صحيح السماع والكتب.
(٥) هكذا في النسخ، والصواب: محمد بن إسحاق السراج، وهو إمام حافظ، ثقة.
[ ١٠ / ٥٧٠ ]
كريب (١)، ثنا محمد بن فضيل (٢)، ثنا عبد الملك (٣)، عن عطاء (٤)، عن جابر بن عبد الله قال: صلينا مع النبي - ﷺ - صلاة الخوف، فكان العدو بيننا وبين القبلة، فأقيمت الصلاة، فصففنا خلفه صفين فكبر فكبرنا معه جميعًا، ثم ركع وركعنا معه جميعًا، ثم رفع رأسه فاستوى قائمًا فسجد هو والصف الَّذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى رسول الله - ﷺ - السجود هو والصف الَّذي يليه وقاموا انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم تأخر الصف المقدم وتقدم الصف المؤخر، ثم كبر رسول الله - ﷺ -، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه فاستوى قائمًا فسجد هو والصف الَّذي يليه (الَّذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، فلما قضى النبي - ﷺ - السجود هو والصف الَّذي يليه) (٥) انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم رسول الله - ﷺ - وسلموا جميعا كما يصنع حرسكم هؤلاء بأموالكم (٦). (٧)
_________________
(١) محمد بن العلاء بن غريب الهمداني، ثقة، حافظ.
(٢) ابن غزوان الضبي، صدوق عارف، رمي بالتشيع.
(٣) عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، صدوق له أوهام.
(٤) ابن أبي رباح، ثقة، فقيه، فاضل، لكنه كثير الإرسال، وقيل: تغير بأخرة.
(٥) من (م)، (ت).
(٦) في (ت): بأمرائهم، وهو الصواب، كما هو مثبت في مصادر التخريج.
(٧) [١١٩٨] الحكم على الإسناد: إسناده صحيح. التخريج: أخرجه مسلم كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف (٨٤٠)، والنسائي في "السنن الكبرى" ١/ ٥٩٦ (١٩٣٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣/ ١٨٣ من طريق عبد الملك، عن عطاء، عن جابر.
[ ١٠ / ٥٧١ ]
قال الشافعي: ولو صلى في الخوف بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، ثم سلم فهكذا صلاة النبي - ﷺ - ببطن نخل (١).
[١١٩٩] أخبرنا أبو الحسين بن أبي نصر القنطري (٢) -بقراءتي عليه- أنا أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي (٣)، ثنا محمد بن سهل بن عسكر (٤)، ثنا يحيى بن حسان (٥) ثنا معاوية بن سلام (٦) قال: أخبرني يحيى بن أبي كثير (٧) قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن (٨) أن جابر بن عبد الله أخبره: أنَّه صلى مع النبي - ﷺ - صلاة الخوف، فصلى رسول الله بإحدى الطائفتين ركعتين، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله - ﷺ - أربع ركعات، وصلى بكل طائفة ركعتين.
_________________
(١) انظر: "الأم" للشافعي ١/ ٢٤٨.
(٢) الخفاف، شيخ صالح، صحيح السماع والكتب.
(٣) السراج، إمام، حافظ، ثقة.
(٤) أبو بكر البخاري، ثقة.
(٥) أبو زكريا التنيسي، ثقة.
(٦) معاوية بن سلام -بتشديد اللام- بن أبي سلام ممطور الحبشي، ويقال: الألهاني، روى عن يحيى، والزهري، ونافع مولى ابن عمر، وعنه يحيى بن حسان، والوليد بن مسلم، ثقة، مات في حدود سنة (١٧٠ هـ). انظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ٨/ ٣٨٣، "تهذيب الكمال" للمزي ٢٨/ ١٧٤، "تقريب التهذيب" لابن حجر (٦٧٦١).
(٧) ثقة، ثبت، لكنه يدلس ويرسل.
(٨) ثقة، مكثر. =
[ ١٠ / ٥٧٢ ]
قال المزني: وهذا عندي يدل على جواز فريضة خلف من يصلي نافلة، لأن النبي - ﷺ - صلى بالطائفة الثانية فريضة لهم، ونافلة له - ﷺ - (١).
فهذا مذهب الشافعي ﵀ في صلاة الخوف.
وقال أبو حنيفة: السنة أن يفرق الإمام المسلمين فرقتين، فيصلي بفرقة ركعة، وفرقة وجاه العدو، ثم تنصرف الفرقة التي صلت مع الإمام ركعة، وهم في الصلاة فيقفون وجاه العدو، وجاءت الفرقة الأخرى فصلت مع الإمام الركعة الأخرى، ثم انصرفت وعادت الفرقة الأولى فأتمت صلاتها (٢)، وعادت إلى مواجهة العدو، وانصرفت الفرقة الأخرى فأتمت صلاتها (٣).
وذهب أبو حنيفة في هذا إلى حديث ابن عمر:
[١٢٠٠] الَّذي أخبرناه أحمد بن محمد بن محمد الحديثي (٤)، ثنا
_________________
(١) = [١١٩٩] الحكم على الإسناد: إسناده صحيح. التخريج: أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب غزوة ذات الرقاع (٤١٢٥)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف (٨٤٣)، وابن خزيمة في "صحيحه" ٢/ ٢٩٧ (١٣٥٢) من طريق أبي سلمة عن جابر.
(٢) وقال ذلك الشافعي قبله، انظر: "الأم" ١/ ٢٤٨.
(٣) في (م): الصلاة.
(٤) انظر: "المبسوط في القراءات العشر" لابن مهران الأصبهانى ٢/ ٤٦.
(٥) لم أجده. ولعله أبو الحسين الخفاف.
[ ١٠ / ٥٧٣ ]
محمد بن إسحاق بن إبراهيم (١)، أخبرنا (الحسن بن أبي الربيع) (٢)، أخبرنا عبد الرزاق (٣)، أخبرنا ابن جريج (٤)، قال: حدثني (٥) ابن شهاب (٦) عن صلاة الخوف، وكيف السنة؟ عن سالم بن عبد الله (٧) أن عبد الله بن عمر كان يحدث أنَّه صلاها مع النبي - ﷺ -، فصفت وراءه طائفة منا، وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله - ﷺ - (ركعة وسجد) (٨) سجدتين مثل نصف صلاة الصبح، ثم انصرفوا فأقبلوا على العدو (٩)، فجاءت الطائفة الأخرى فصلوا مع النبي - ﷺ -، ففعل مثل ذلك، ثم سلم النبي - ﷺ -، فقام كل رجل منا لطائفتين فصلى لنفسه ركعة بسجدتين.
قال نافع عن ابن عمر: فإن كان خوف أشد من ذلك فليصلوا قيامًا، وركبانًا، حيث جهتهم.
_________________
(١) أبو العباس السراج، إمام، حافظ.
(٢) وردت في النسخ: الحسن بن الربيع، والصواب ما أثبتناه، توفي سنة (٢٦٣ هـ)، ذكره السهمي في "تاريخ جرجان" ١/ ١٨٣ وقال: أشهر من أن يعرف من كثرة روايته وانتشار اسمه، وكثرة الرواة عنه في الدنيا.
(٣) الصنعاني، ثقة، حافظ، عمي في آخر عمره فتغير وكان يتشيع.
(٤) ثقة، فقيه، فاضل، كان يدلس ويرسل.
(٥) في (م): جدي.
(٦) الزهري، الفقيه، الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه.
(٧) ثبت، عابد، فاضل.
(٨) من (م).
(٩) في (م) الصلاة.
[ ١٠ / ٥٧٤ ]
قلت: وهكذا صلى النبي - ﷺ - بذي قرد (١).
(حديث ابن عباس في صلاة النبي - ﷺ - بذي قرد). (٢)
[١٢٠١] أخبرنا أبو الحسين الخفاف (٣)، أخبرنا أبو العباس
_________________
(١) ذى قرد: بفتح القاف والراء، موضع به ماء على نحو يومين من المدينة مما يلي غطفان. انظر: "الطبقات الكبرى" ابن سعد ٢/ ٣٨٢، وهو في وادي النقمة شمال شرق المدينة على مسافة ٣٥ كيلا منها، وانظر: "معجم المعالم الجغرافية" لعاتق البلادي (ص ٢٥٠). وكانت غزوة قرد قبل غزوة خيبر بثلاث ليال وفيها ظهرت شجاعة سلمة بن الأكوع حيث لحق وحده بعبد الرحمن بن عيينة واستنقذ منه الإبل التي أغار عليها. انظر خبرها في: "صحيح البخاري" كتاب المغازي، باب غزوة ذات قرد (٤١٩٤)، ومسلم كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذى قرد وغيرها (١٨٠٦)، "السيرة النبوية" لابن هشام ٣/ ٣٢٣، "السيرة النبوية" للدكتور مهدي رزق الله (ص ٤٩٧).
(٢) الحكم على الإسناد: فيه من لم أجده. والحديث ثابت كما سيأتي في التخريج. التخريج: الحديث أخرجه البخاري في كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الخوف (٩٤٢)، وعبد الرزاق في "المصنف" ٢/ ٥١٩ (٤٢٥٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢/ ٢٥٥، وغيرهم من طرق عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله به. وأخرج قول نافع: البخاري كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا (٩٤٣)، والطبري في "جامع البيان" ٥/ ٢٥٦، وأحمد في "المسند" ٢/ ١٣٢ (٦١٥٩).
(٣) من (م)، (ت).
(٤) صحيح السماع والكتب، وهو شيخ صالح.
[ ١٠ / ٥٧٥ ]
السراج (١)، ثنا محمد بن سهل بن عسكر (٢)، ثنا عبد الرزاق (٣)، أخبرنا الثوري (٤)، عن أبي بكر بن أبي جهم (٥)، عن عبيد الله بن عتبة (٦)، عن ابن عباس قال: صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف بذي قرد، فصف صفًا خلفه، وصفًا موازي العدو، قال: فصلى بالصف الَّذي معه ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، فصلى بهم ركعة، ثم سلم عليهم جميعًا، ثم انصرف، فكان لرسول الله - ﷺ - ركعتان، ولكل واحدة من الفريقين ركعة (٧).
_________________
(١) إمام، حافظ.
(٢) ثقة.
(٣) ثقة، حافظ، عمي في آخر عمره فتغير وكان يتشيع.
(٤) ثقة، حافظ، إمام، حجة، كان ربما دلس.
(٥) أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم العدوي. روى عن: ابن عمر، وعبيد الله بن عبد الله. وعنه: الثوري، وشريك، وشعبة. وثقه ابن معين، وابن حبان، والذهبي، والحافظ، وقال أبو حاتم: صدوق. انظر: "الثقات" لابن حبان ٥/ ٥٦٧، "تهذيب الكمال" للمزي ٣٣/ ٩٩، "تقريب التهذيب" لابن حجر (٧٩٧٠).
(٦) ابن مسعود الهذلي، ثقة، فقيه، ثبت.
(٧) [١٢٠١] الحكم على الإسناد: إسناده صحيح. التخريج: أخرجه البخاري في كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا راجل قائم (٩٤٣)، وأحمد في "المسند" ١/ ٢٣٢ (٢٠٦٣)، وابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" ٧/ ١٢٢ (٢٨٧١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" ٣/ ٥٠٩ (٨٣٤٨) وغيرهم، من طرق عن عبيد الله عن ابن عباس به.
[ ١٠ / ٥٧٦ ]
حديث أبي هريرة في صلاة الخوف:
[١٢٠٢] أخبرنا أبو الحسين الخفاف (١)، أنا أبو العباس السراج (٢)، ثنا زياد بن أيوب (٣)، ثنا أبو عبد الرحمن -يعني عبد الله ابن يزيد (٤) - ثنا حيوة (٥)، أخبرنا أبو الأسود (٦) أنَّه سمع عروة بن الزبير (٧) يحدث عن مروان بن الحكم (٨) أنَّه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم. فقال مروان: متى؟ فقال: عام غزاة نجد، قام رسول الله - ﷺ - لصلاة العصر، وقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مما يلي العدو، وأظهرهم إلى القبلة، فكبر رسول الله - ﷺ -، وكبر الذين معه والذين يقاتلون العدو جميعًا، ثم ركع رسول الله - ﷺ - ركعة واحدة وركع معه الطائفة التي تليه، ثم سجد وسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مما يلي العدو، ثم قام رسول الله - ﷺ - وقامت معه الطائفة الذين معه، فذهبوا إلى العدو فقاتلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلة
_________________
(١) شيخ صالح، صحيح السماع والكتب.
(٢) إمام، حافظ.
(٣) زياد بن أيوب بن زياد البغدادي الطوسي، لقبه دلويه، ثقة حافظ.
(٤) مولى آل عمر بن الخطاب، ثقة، فاضل.
(٥) حيوة بن شريح، أبو زرعة المصري، ثقة، ثبت، فقيه، زاهد.
(٦) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، يتيم عروة، ثقة.
(٧) ثقة.
(٨) مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي: لم يصح سماعه من النبي - ﷺ -، قال عروة بن الزبير: كان لا يتهم في الحديث.
[ ١٠ / ٥٧٧ ]
العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله - ﷺ - قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله - ﷺ - ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلة العدو فركعوا وسجدوا، ورسول الله - ﷺ - قاعد كما هو، ثم سلم رسول الله - ﷺ -، وسلموا جميعًا، فكان لرسول الله - ﷺ - ركعتان، ولكل رجل (١) من الطائفتين ركعتان، ركعتان (٢).
واعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد النبي - ﷺ - جوازها في عهده، ولا خلاف في هذا بين العلماء، إلا ما حكي عن أبي يوسف، وأبي إبراهيم المزني أنهما قالا: لا تصلئ صلاة الخوف بعد وفاة النبي - ﷺ - (٣)، وليس هذا موضع الكلام عليها، وهذا القدر الَّذي ذكرت في هذا الموضع مقنع إن شاء الله.
_________________
(١) في (م): واحد.
(٢) [١٢٠٢] الحكم على الإسناد: إسناده صحيح. التخريج: أخرجه أحمد في "المسند" ٢/ ٣٢٠ (٨٢٦٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ٥٩٤، وابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" ٧/ ١٣١ (٢٨٧٨)، وأبو داود كتاب صلاة السفر، باب من قال يكبرون (١٢٤٠) من طرق عن أبي الأسود عن عروة .. به.
(٣) انظر قول أبي يوسف ﵀ في: "شرح معاني الآثار" للطحاوي ١/ ٣٢٠، وقد رد عليه الطحاوي فقال: .. وهذا القول -عندنا- ليس بشيء؛ لأن أصحاب النبي - ﷺ - قد صلوها بعده ثم أسند إلى أبي عبد الله محمد بن شجاع، أنَّه كان يعيب على أبي يوسف هذا القول.
[ ١٠ / ٥٧٨ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ الآية، نزلت في رسول الله - ﷺ -، خاصة.
قال الكلبي (١)، عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس في قوله ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾: نزلت في رسول الله - ﷺ -، غزا محاربًا، وبني أنمار (٣)، فنزل رسول الله - ﷺ - والمسلمون، ولا يرون من العدو واحدًا، فوضع الناس أسلحتهم، وخرج رسول الله يمشي لحاجة له، قد وضع سلاحه حتَّى قطع الوادي والسماء ترلش، فحال الوادي بين رسول الله - ﷺ -، وبين أصحابه، وجلس رسول الله - ﷺ - في ظل شجرة (٤)، فبصر به حويرث بن الحارث المحاربي ثم الحضرمي (٥)، وقال أصحابه: يا حويرث، هذا محمد
_________________
(١) محمد بن السائب، متهم، بالكذب ورمي بالرفض.
(٢) ضعيف، يرسل.
(٣) قبيلتان عربيتان، أما محارب، بضم الميم، وكسر الراء: قبيلة عربية، تنسب إلى محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. انظر: "لب اللباب" للسيوطي ٢/ ٢٤٠، وتنسب إلى محارب بن خصف بن قيس ابن عيلان، وهم المقصودون هنا، كما في "فتح الباري" لابن حجر ٧/ ٤٨٢. وأما بني أنمار بفتح الهمزة، وسكون النون: فهم بطون عدة من العرب، منهم أنمار بن أراش، وأنمار مذحج، وأنمار بن بغيض، وأنمار بن مازن. انظر: "الأنساب" للسمعاني ١/ ٢٢٢. وهذه الغزوة كانت قبل نجد، وهي غزوة ذات الرقاع غزا فيها محاربًا وأنمارًا، كما في "السيرة النبوية" لابن هشام ٣/ ٢١٤، وانظر: "فتح الباري" لابن حجر ٧/ ٤٨٢.
(٤) في (ت): سمرة.
(٥) وقيل: غورث بن الحارث، ولعله أصوب، كما ذكر ذلك البخاري في كتاب =
[ ١٠ / ٥٧٩ ]
قد انقطع من أصحابه قال: قتلني الله إن لم أقتله. قال: ثم انحدر من الجبل ومعه السيف، فلم يشعر به النبي - ﷺ - إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده، فقال يا محمد، من يعصمك مني الآن؟ قال رسول الله - ﷺ -: "الله"، ثم قال: "اللهم، اكفني حويرث ابن الحارث بما شئت". ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله - ﷺ -، ليضربه، فأكب لوجهه، من زَلْجة (١)، زُلِجها من بين كتفيه، وندر سيفه (من يده) (٢)، فقام رسول الله - ﷺ - فأخذه، ثم قال له رسول الله - ﷺ - "يا حويرث من يمنعك مني الآن؟ " قال: لا أحد. قال: "تشهد ألا إله إلا الله، وأني محمد عبده ورسوله، وأعطيك سيفك". قال: لا، ولكن أشهد ألا أقاتلك أبدا (٣)، ولا أعين عليك عدوا. فأعطاه رسول الله - ﷺ - سيفه، فقال حويرث للنبي - ﷺ -: والله، لأنت خير مني. فقال النبي - ﷺ -: "أجل، أنا أحق بذلك منك".
_________________
(١) = المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (٤١٣٦) عن أبي بشر، وجزم به ابن حجر في "الإصابة" ٨/ ٦١، وذكر الخطابي في "غريب الحديث" ١/ ٣٠٨ قولًا أنَّه غويرث بالتصغير، وما في "الصحيح" هو الصواب، وهو موافق لرواية ابن إسحاق في "السيرة"، انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام ٣/ ٢١٦٥.
(٢) كذا في النسخ، وفي "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٢/ ٣٠٨ (زلخ): من زلخة زلخها، بتشديد اللام مع الفتح وخاء مفتوحة، ثم فسرها ابن الأثير فقال: يقال: رمى الله فلانًا بالزلخة -بضم الزاي، وتشديد اللام وفتحها- وهو وجع يأخذ من الظهر، لا يتحرك الإنسان من شدته. وانظر: "غريب الحديث" للخطابي ١/ ٣٠٨، حيث خطأ من رواه بالجيم.
(٣) من (م).
(٤) ساقطة من (ت).
[ ١٠ / ٥٨٠ ]
قال: فرجع حويرث إلى أصحابه، فقالوا: ويلك، لقد رأيناك أهويت بالسيف قائمًا (١) على رأسه، ما منعك منه؟ قال: والله، لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه، فوالله ما (٢) أدري من زلجني بين كتفي، فخررت لوجهي وخر سيفي من يدي، فسبقني إليه فأخذه، فقال: "يا حويرث، من يمنعك مني الآن "؟ قلت: لا أحد. قال: "أتشهد ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأعطيك سيفك "؟ قلت: لا، ولكني أعطيك موثقًا، أن لا أقاتلك أبدًا، ولا أعين عليك عدوًا أبدًا، فدفعه إلى. قال: وسكن الوادي، فقطع رسول الله - ﷺ - الوادي إلى أصحابه، فأخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الآية (٣).
_________________
(١) ساقطة من (ت).
(٢) في (ت): لا.
(٣) الحكم على الإسناد: فيه الكلبي متهم بالكذب. التخريج: أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة، وباب تفرق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال بالشجر (٢٩١٠، ٢٩١٣)، وفي كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، (٤١٢٥)، (٤١٣٥)، (٤١٣٦)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب توكله على الله تعالى (١٣ - ١٤)، وأحمد في "المسند" ٣/ ٣٦٤ (١٤٩٢٩) من طرق عن جابر ﵁، وسياقهم فيه اختلاف عن سياق الكلبي عن ابن عباس. وانظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٧. وأخرجها الحاكم في "المستدرك" ٣/ ٣١ من طريق أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر ﵁، ومن طريقه ابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" ٧/ ١٣٨ (٢٨٨٣).
[ ١٠ / ٥٨١ ]