بمنه، وأخبره بنعمته عليه، وأنه في حفظه، وكلاءته، فلا يخلص إليه أمر يكرهه فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني: وفد ثقيف، ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لا يستطيعون أن يزيلوا عنك النبوة، وقد جعلك الله لها أهلًا، ثم قال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: الأحكام، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ يعني: من الشرائع، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ﴾ أي: من الله عليك بالإيمان، ﴿عَظِيمًا﴾.
١١٤ - قوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾
قال الكلبي (١): عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس: يعني: قوم طعمة (٣)، ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أي: حث عليها، ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ يقول: أقرض إنسانًا، ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ يعني: بين طعمة واليهودي، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ القرض والإصلاح والصدقة ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: طلب رضاه، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ (٤) في الآخرة،
_________________
(١) = التخريج: ذكر ذلك عن الضحاك: السمرقندي في "بحر العلوم" ١/ ٣٨٧، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ١٩٦.
(٢) متهم بالكذب، ورُمي بالرفض.
(٣) ضعيف، يرسل.
(٤) الحكم على الإسناد: فيه الكلبي متهم بالكذب. التخريج: انظر: "بحر العلوم" للسمرقندي ١/ ٣٨٧، "زاد المسير" لابن الجوزي ٢/ ١٩٦.
(٥) في هامش (م): وقرأ أبو عمرو، وحمزة (يؤتيه) بالياء.
[ ١٠ / ٥٩٦ ]
﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وقال ابن السري (١): معنى النجوى في الكلام: ما ينفرد به الجماعة والاثنان، سرًّا كان أو ظاهرًا (٢).
ومعنى نجوت في اللغة: خلصت، وألقيت، يقال: نجوت الجلد عن البعير، وغيره، أي: ألقيته عنه، ويقال: نجوت فلانًا، إذا استنكهته (٣)، قال الشاعر:
نجوتُ مجالدا فوجدتُ منه كريح الكلب مات حديث عهدِ (٤)
ونجوت الوتر، واستنجيته: إذا خلصته، قال:
فتبارزت فتبازخت (٥) لها جلسة الأعسر يستنجي الوتر
_________________
(١) في (م): أبو السرى، وابن السري هو الزجاج، وقد نقل المصنف هذا النص من قوله معنى النجوى في الكلام .. إلى قوله مما يدبرونه بينهم من الكلام. من "معاني القرآن" له ٢/ ١٠٤ - ١٠٦.
(٢) وقد استبعد هذا المعنى القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٣٨٣.
(٣) أي: شممت منه.
(٤) البيت للحكم بن عبدل الأسدي، كما في "الحيوان" للجاحظ ١/ ٢٥١، وأورد البيت: ياقوت في "معجم الأدباء" ١٠/ ٢٣٢، وبدون نسبة في "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس ٥/ ٣٩٨ (نجا)، "لسان العرب" لابن منظور (نجا).
(٥) في (ت): فتبادرت، وفي (م): فتفارجت، وفي هامش (م) ويروى: فتبازخت لها جلسة الجازر، وقوله: تبارزت أي: دفعت عجيزتها، وتبازخت إذا أخرج صدره وبطنه. والبيت لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت يصف فيه حالة له مع زوجته، وقبله قوله: =
[ ١٠ / ٥٩٧ ]
وأصله كله من النجوة وهي: ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر:
فمن بنجوته كمن بعقوته والمستكن كمن يمشي بقرواحِ (١)
فمعنى ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ أي: مما يدبرونه بينهم من الكلام.
﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ يجوز أن تكون (مَنْ) في موضع الخفض، والنصب، والرفع، فوجه الخفض على قولك: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، والنجوى هاهنا: الرجال المتناجون، كما قال: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ (٢)، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (٣).
_________________
(١) = سائلا فيه هل نبهتها آخر الليل بعرد ذي عجر ومعنى يستنجي الوتر، أي: قطعه، يقال: استنجى الجازر وتر المتن، أي قطعه، وأصل الوتر من الأمعاء يتخذ منه أوتار القسي. انظر: "الخصائص" لابن جني ١/ ٨. والبيت ذكره الزجاج في "معاني القرآن" ٢/ ١٠٥، وابن منظور في "لسان العرب" (نجا).
(٢) البيت قاله عبيد بن الأبرص، وهو في "ديوانه" (ص ٨٦)، وفي "لسان العرب" لابن منظور (نجا). ويروى أيضًا لأوس بن حجر. انظر: "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني ١٠/ ٦، "ديوانه" (ص ٤)، وذكر البيت أيضًا ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" ٥/ ٣٩٨ (نجا)، والقرواح: الأرض الفضاء، والمستكن: المستتر.
(٣) الإسراء: ٤٧.
(٤) المجادلة: ٧.
[ ١٠ / ٥٩٨ ]