سعيد يخبران أن رسول الله - ﷺ - جلس على المنبر، ثم قال: "والذي نفسي بيده" ثلاث مرات، ثم سكت، فأقبل كل رجل منا يبكي، حزنًا ليمين رسول الله - ﷺ -، ثم قال؟ "ما من عبد يأتي بالصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر، إلا فتحت له أبواب الجنة يوم القيامة، حتى إنها لتصطفق"، ثم تلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية (١).
٣٢ - قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية
يقال: جاءت وافدة النساء إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، أليس الله رب الرجال والنساء، وأنت رسول الله إليهم جميعًا، فما بالنا يذكر الله الرجال ولا يذكرنا؟ نخشى ألا يكون فينا خير، ولا لله
_________________
(١) = "تقريب التهذيب" (ص ٤٥٦)، وفيه: مقبول. وفي "تحرير التقريب" ٢/ ١٤٤: مجهول. وهو الصواب، فإنه لم يرو عنه إلا نعيم.
(٢) [١١٠٢] الحكم على الإسناد: إسناده ضعيف، آفته صهيب مولى العتواري، فإنه مجهول، وبقية رجاله ثقات، وفي إسناد المصنف ابن حبش لم أجده، وقد صحح إسناده الأستاذ محمود شاكر في تعليقه على "جامع البيان" للطبري ٨/ ٢٣٨ (٩١٨٥) حيث أخرجه الطبري من طريق صهيب هذا، وقد وثقه الأستاذ محمود! ! وما أدري على ماذا اعتمد في توثيقه؟ وأخرجه النسائي في "المجتبى" كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة ٥/ ٨، وابن خزيمة في "صحيحه" ١/ ١٦٣ (٣١٥)، وابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" ٥/ ٤٣ (١٧٤٨)، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٣١٦، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٠/ ١٨٧، والمزي في "تهذيب الكمال" ١٣/ ٢٤٥ من طريق عمرو بن الحارث عن سعيد عن نعيم عن صهيب .. به.
[ ١٠ / ٢٧٥ ]
فينا حاجة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (١) إلى آخرها، وقوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (٢) وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٣).
وقيل: لما جعل الله -﷿- للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث، قالت النساء: نحن أحوج أن يكون لنا سهمان، وللرجال سهم واحد (٤)، لأنا ضعفاء، وهم أقوى (٥)، وأقدر على طلب المعاش منا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا رجال فنغزو، ونبلغ ما يبلغ الرجال، فنزلت هذه الآية (٦).
_________________
(١) الأحزاب: ٣٥.
(٢) آل عمران: ١٩٥.
(٣) النحل: ٩٧، ولم أجد قائل هذا الأثر، وقد أخرجه الطبري في تفسير قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ خبر أم سلمة بمعنى ما ذكره المصنف هنا. وأخرج البيهقي أيضًا في "السنن الكبرى" ٦/ ٤٢٢ خبرًا بمعناه، وهو أطول مما ذكره الثعلبي، وفيه التصريح بأن الوافدة اسمها أسماء بنت يزيد بن السكن، وكذلك أخرجه بحشل في "تاريخ واسط" ٢/ ٣٥. وأخرجه ابن الجوزي في "العلل" ٢/ ٦٢٩ (١٥٣٨) من طريق رشدين بن كريب عن أبيه عن ابن عباس، ورشدين منكر الحديث.
(٤) من (ت).
(٥) في (م): أقوياء. والأثر لم أجد قائله، وذكره البغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٥٤.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في "تفسير القرآن" ١/ ١٥٦، والطبري في "جامع البيان" =
[ ١٠ / ٢٧٦ ]
وقال قتادة والسدي: لما نزل قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قال الرجال (١): إنا لنرجو أن نفضل (٢) على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٣).
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ من الثواب (٤) والعقاب، ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (٥) كذلك، قاله قتادة، وقال أيضًا: هو أن الرجل يجزى بالحسنة عشرًا (٦)، والمرأة تجزى بها عشرًا.
_________________
(١) = ٥/ ٤٦، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٣٥، وأحمد في "المسند" ٦/ ٣٢٢ (٢٦٧٣٦)، والترمذي في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء (٣٠٢٢)، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣٣٥، وقال: صحيح على شرط الشيخين إن كان مجاهد سمع من أم سلمة، ووافقه الذهبي. ومجاهد ولد سنة (٢١ هـ)، وأم سلمة توفيت سنة (٦٠ هـ)، فإدراك مجاهد لها، واللقاء ممكن. وأخرج الأثر الواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٥٤).
(٢) بعدها في (ت): للنساء.
(٣) في (ت): يفضلنا الله.
(٤) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ٤٧ - ٤٨، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٥٤).
(٥) في (ت): الميراث.
(٦) في (ت): وللنساء كذلك نصيب منه. وأخرج قول قتادة الطبري في "جامع البيان" ٥/ ٤٨.
(٧) في (ت): عشر أمثالها.
[ ١٠ / ٢٧٧ ]
وقال ابن عباس: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ من الميراث ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ منه، للذكر مثل حظ الانثيين (١).
والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة والإحراز، فنهى الله سبحانه عن التمني على هذا الوجه؛ لما فيه من دواعي الحسد، قال الضحاك: لا يحل لمسلم أن يتمنى مال أحد، ألم تسمع الذين قالوا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ (٢) حين خسف به، وبداره، وأمواله ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ (٣).
وقال الكلبي: لا يتمنى الرجل مال أخيه، ولا امرأته، ولا خادمه، ولا دابته [٢٧٢] ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله، وهو كذلك في التوراة، وذلك قوله في القرآن (٤): ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
_________________
(١) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ٤٩، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٣٦. واختار الطبري القول بالثواب والعقاب في معنى الاكتساب. وكذلك ابن عطية في "المحرر الوجيز" ٢/ ٤٥، وضعف المروي عن ابن عباس. وانظر: "زاد المسير" لابن الجوزي ٢/ ٧٠.
(٢) القصص: ٨٢.
(٣) لم أجد كلام الضحاك هذا.
(٤) في (م): وذلك في القرآن، وفي (ت): وكذلك، وقول الكلبي ذكره البغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٠٥.
[ ١٠ / ٢٧٨ ]
قرأ ابن كثير، وخلف، والكسائي: (وسلوا)، وسل بغير همز، ونقل حركة الهمزة إلى السين، الباقون بالهمز (١).
قال رسول الله - ﷺ -: "سلوا (٢) الله من فضله، فإنه يحب أن يسأل، وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج" (٣).
_________________
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص ٧٩)، "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ٢/ ٢٤٩.
(٢) في (م): اسألوا.
(٣) الحديث أخرجه الترمذي كتاب الدعوات، باب في انتظار الفرج وغير ذلك (٣٥٧١)، والطبراني في "الدعاء" (ص ٢٨) (٢٢)، وفي "المعجم الأوسط" ٥/ ٢٣٠ (٥١٦٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" ٢/ ٤٣ (١١٢٤)، والواحدي في "الوسيط" ٢/ ٤٤ من طريق حماد بن واقد قال: سمعت إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود به. وهذا إسناد ضعيف، فيه حماد بن واقد، قال ابن معين: ضعيف، وقال البخاري: منكر الحديث. انظر: "تهذيب التهذيب" لابن حجر ٣/ ٢١، وقال في "تقريب التهذيب" (١٥٠٨): ضعيف. وأخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ٤٩ من طريق حكيم بن جبير عن رجل لم يسمه قال: قال رسول الله - ﷺ - .. فذكره. وهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه حكيم بن جبير الأسدي، قال فيه أحمد: ضعيف الحديث، مضطرب، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود، وقال الدارقطني: متروك، وكذبه الجوزجاني. انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي ١/ ٥٨٣ وفيه الرجل الذي لم يسم، فلا يمكن أن يتقوى الحديث بهذا الطريق. ولقوله: "وإن أفضل العبادة انتظار الفرج" شاهد من حديث ابن عمر، رواه القضاعي في "مسند الشهاب" ١/ ٦٢ (٤٦)، وفي إسناده عمرو بن حميد، =
[ ١٠ / ٢٧٩ ]
[١١٠٣] أخبرنا ابن فنجويه (١)، قال: ثنا أبو علي بن حبش المقرئ (٢)، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن الهيثم البلدي (٣)، قال: ثنا الحسن بن عرفة (٤)، قال: ثنا حماد بن خالد الخياط (٥) -وكان من خيار من أدركنا- عن أبي بكر بن أبي (٦) سبرة (٧)، عن أبي
_________________
(١) = هالك، واتهم بالوضع، وذكر له الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٣/ ٢٥٦ هذا الحديث مثالًا على كذبه. وشاهد من حديث ابن عباس في "مسند الشهاب" أيضًا ١/ ٦٣ (٤٧)، وفي إسناده أبو موسى عيسى بن مهران، رافضي، كذاب. انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي ٣/ ٣٢٤. وشاهد من حديث أنس، في "مسند الشهاب" أيضًا ٢/ ٢٤٥ (١٢٨٣)، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٢/ ١٥٥، وفي إسناده سليمان بن سلمة الخبائري، كذاب، قال أبو حاتم: متروك، لا يشتغل به. انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي ٢/ ٢٠٩، وذكر هذا الحديث مثالا على كذبه. وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ٨/ ٥٢٦ بعد أن ذكر هذا الحديث: وهذا باطل، ما رواه مالك، ولا بقية، بل المتهم به سليمان. وشاهد من حديث علي بن أبي طالب، عند البيهقي فى "شعب الإيمان" ٧/ ٢٠٤ (١٠٠٠٣)، وسنده ضعيف.
(٢) ثقة، صدوق، كثير الرواية للمناكير.
(٣) ثقة، مأمون.
(٤) اتهمه الخطيب.
(٥) الحسن بن عرفة بن يزيد، أبو علي العبدي، صدوق.
(٦) حماد بن خالد الخياط القرشي، كان ثقة أميًا لا يكتب.
(٧) ساقطة من (ت).
(٨) أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة العامري القرشي، كان يضع الحديث ويكذب.
[ ١٠ / ٢٨٠ ]
المليح (١)، عن أبي صالح (٢)، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "من لم يسأل الله من فضله غضب عليه" (٣).
[١١٠٤] وأخبرنا ابن فنجويه (٤)، قال: ثنا موسى بن علي بن عبد الله (٥)، قال: ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة (٦)، قال: ثنا محمد ابن عبد الله بن نمير (٧)، قال: ثنا قيصر أبو النضر (٨)، قال: ثنا أبو
_________________
(١) أبو المليح الفارسي الخراط، ثقة.
(٢) أبو صالح الخوزي، لين الحديث.
(٣) [١١٠٣] الحكم على الإسناد: إسناد المصنف فيه أبو بكر العامري، وضاع، لكن الحديث ثبت عند الترمذي، وابن ماجه من طريقهما، كما سيأتي في التخريج. التخريج: أخرجه الترمذي كتاب الدعوات، باب منه (٣٣٧٣)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٦٥٨)، وابن ماجه كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء (٣٨٢٧)، والمزي في "تهذيب الكمال" ٣٣/ ٤١٨ عن أبي المليح عن أبي صالح به. وللحديث شاهد عند الطبراني في "الدعاء" (ص ٢٤) من طريق حماد الكلبي عن المبارك بن أبي حمزة عن الحسن مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه قال: "يا ابن آدم، إنك إن سألتني أعطيتك، وإن لم تسألني أغضب عليك"، وحماد ضعيف، والمبارك مجهول، والحسن يرسل.
(٤) ثقة، صدوق، كثير الرواية للمناكير.
(٥) لم أجده.
(٦) مختلف فبه، مشاه بعضهم وكذبه آخرون.
(٧) محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني، ثقة حافظ فاضل.
(٨) هاشم بن القاسم، أبو النضر الليثي، وقيصر لقبه، ثقة، ثبت.
[ ١٠ / ٢٨١ ]