لي النَّبِيّ - ﷺ -: "اقرأ"، فقرأت سورة النساء حتَّى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ دمعت عينا رسول الله - ﷺ -، وقال: "حسبنا" (١).
٤٢ - ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾
قرأ أهل المدينة، والشَّام: (تَسَّوى) بفتح التاء، وتشديد السين، على معنى: تتسوى: فأدغمت التاء الثَّانية في السين.
وقرأ أهل الكوفة إلَّا عاصمًا: (تسوى) (٢) بفتح التاء، وتخفيف السين على حذف تا تفعل، كقوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٣)، وقرأ الباقون (٤) بضم التاء، وتخفيف السين؛ على المجهول، أي:
_________________
(١) بعدها في (م): الله.
(٢) الحكم على الإسناد: إسناده صحيح. التخريج: أخرجه البُخَارِيّ كتاب التفسير، باب: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ (٤٥٨٢)، ومسلم كتاب المسافرين، باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظه للاستماع والبكاء (٨٠٠)، وأبو داود كتاب العلم، باب في القصص (٣٦٦٨)، والنَّسائيّ في "تفسيره" ١/ ٣٨٣ (١٢٥) وغيرهم من طرق، عن الأَعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن ابن مسعود به.
(٣) في (م)، (ت)، ومراده بأهل المدينة، والشَّام: أبو جعفر، ونافع، وابن عامر، وبأهل الكوفة: حمزة، والكسائي، وخلف.
(٤) هود: ١٠٥.
(٥) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ٢/ ٢٤٩، وفي توجيه القراءات الثلاثة انظر: "إعراب القراءات السبع" لابن خالويه ١/ ١٣٤.
[ ١٠ / ٣٢٩ ]
لو سويت بهم الأرض، وصاروا هم والأرض شيئًا واحدًا.
وقال قتادة، وأبو عبيدة: يعني: لو تخرقت الأرض فساخوا فيها، وعادوا إليها كما خرجوا منها، ثم تسوى عليهم حتَّى تعلوهم (١).
ابن كيسان: ودوا لو أنَّهم لم يبعثوا؛ لأنهم إنما نقلوا (٢) من التُّراب، وكانت الأرض مستوية بهم.
الكلبي: يقول الله تعالى للبهائم، والوحش، والطير، والسباع: كن ترابًا، فتسوى بهم الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافر أن لو كان ترابًا مشى عليه أهل الجمع (٣).
بيانه: قوله ﷿: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (٤).
وحكى أبو القاسم بن حبيب: أنَّه سمع من يتأول هذه الآية: لو يَعْدِل بهم ما على الأرض من شيء فدية، بيانه: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ الآيات (٥).
_________________
(١) = وانظر: "جامع البيان" للطبري ٥/ ٩٣.
(٢) انظر: كلام أبي عبيدة في "مجاز القرآن" ١/ ١٢٨، وأخرج قول قتادة: ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٥٧، ونسبه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٩٢ لابن المنذر، وعبد بن حميد.
(٣) في (ت): خلقوا. وأثر ابن كيسان ذكره عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٨٧، وبمعناه في "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٥٦.
(٤) بمعناه عند السمرقندي في "بحر العلوم" ١/ ٣٥٦، وذكره البَغَوِيّ في "معالم التنزيل" ٢/ ٢١٨.
(٥) النبأ: ٤٠.
(٦) المعارج: ١١.
[ ١٠ / ٣٣٠ ]
﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ قال عطاء: ودوا لو تسوى بهم الأرض، وأنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد - ﷺ - ولا نعته (١).
وقال آخرون: بل هو كلام مستأنف، يعني: ولا يكتمون الله حديثًا؛ لأن ما عملوا لا يخفى على الله، ولا يقدرون على كتمانه (٢).
الكلبي، وجماعة: ولا يكتمون الله حديثًا؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم (٣).
سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: أشياء تختلف
علي في القرآن، قال: أهو شك فيه؟ قال: لا، ولكنه اختلاف.
فهات ما اختلف عليك من ذلك. فقال: أسمع الله ﷿ يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقد كتموا. فقال ابن عباس: أما قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإِسلام، ولا يغفر شركًا، قالوا: تعالوا فلنجحد، فجحد المشركون فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يغفر لهم، فيختم على أفواههم
_________________
(١) ذكره البَغَوِيّ في "معالم التنزيل" ٢/ ٢١٨ عنه، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٨٧.
(٢) ذكر ذلك الفراء في "معاني القرآن" ٢/ ٢٦٩، والزجاج في "معاني القرآن" ٢/ ٥٤، والطبري في "جامع البيان" ٥/ ٩٥، ولم يذكر الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٥٦ غيره.
(٣) ذكره البَغَوِيّ في "معالم التنزيل" ٢/ ٢١٨ عنهم. وهو مروي عن ابن عباس. انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي ٢/ ٨٧.
(٤) الأنعام: ٢٣.
[ ١٠ / ٣٣١ ]
وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ (١).
الحسن: إنها مواطن: ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلَّا همسًا، وفي موطن يتكلمون، ويكذبون، ويقولون ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، و﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ (٢)، وفي موطن يعترفون على أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ (٣)، وفي موضع يتساءلون (٤)، وفي موضع يسألون الرجعة، وإن آخر تلك المواطن أن أفواههم تختم، وجوارحهم تتكلم، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٥).
_________________
(١) أخرجه البُخَارِيّ في "صحيحه" في كتاب التفسير، تفسير سورة (حم) السجدة، معلقًا، ثم وصله في أثناء الباب، وأخرجه عبد الرَّزّاق في "تفسير القرآن" ١/ ١٦٠، والطبري في "جامع البيان" ٥/ ٩٤، وفيه بيان اسم الرَّجل الذي سأل ابن عباس، وهو نافع الأزرق، الذي صار بعد ذلك رأس فرقة الأزارقة من الخوارج. وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٥٧، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣٣٦، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه! والحديث أخرجه البُخَارِيّ! !
(٢) النحل: ٢٨.
(٣) الملك: ١١.
(٤) قبلها في (م).
(٥) ذكره البَغَوِيّ في "معالم التنزيل" ٢/ ٢١٨، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٨٧ مختصرًا.
[ ١٠ / ٣٣٢ ]