حرفوا كلامه (١).
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾ قولك، ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرك، ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: غير مقبول منك قولك، وقيل: هو مثل قولهم: اسمع، لا سمعت، ﴿وَرَاعِنَا﴾ وقد مضت القصة في سورة البقرة، ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا﴾ وقدحًا، ﴿فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ مكان قولهم ﴿رَاعِنَا﴾، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾: أصوب وأعدل، ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
٤٧ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾
يخاطب اليهود، ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ يعني: القرآن، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ قال ابن عباس: كلم رسول الله - ﷺ - رؤساء من أحبار اليهود، منهم: عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد (٢)، فقال لهم: يا معشر اليهود (٣)، اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق. فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد. وأنكروا، وأصروا على الكفر، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ (٤) [٢٩٧].
_________________
(١) ذكره البغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٣٠ عنه، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٩٩.
(٢) في (ت): أسيد.
(٣) في (م): فقال: يا معشر يهود.
(٤) ذكره ابن إسحاق في "السيرة" ٢/ ١٨٩، وأخرجه البخاري مطولًا في كتاب مناقب الأنصار (٣٩١١)، والطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٢٤.
[ ١٠ / ٣٩٠ ]
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قراءة العامة بكسر الميم، وقرأ أبو رجاء بضمة (١)، هما لغتان.
قال ابن عباس: نجعلها كخف البعير، أو كحافر الدابة (٢).
قتادة، والضحاك: نعميها (٣)، ذكر الوجه، والمراد (٤) به العين.
﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ أي: نحول وجوهها إلى ظهورها، ونجعل أبصارها من قبل أقفائها، وهذه رواية عطية عن ابن عباس (٥).
الفراء: نجعل الوجوه منابت الشعر، كوجوه القردة، لأن منابت شعور الآدميين في أدبار وجوههم (٦).
القتيبي (٧): نمحو آثارها، وما فيها من عين، وحاجب، وأنف، وفم، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ أي: نصيرها كالأقفاء.
فإن قيل: كيف جاز أن يهددهم بطمس وجوههم إن لم يؤمنوا، ثم لم يؤمنوا، ولم يفعل ذلك بهم؟
_________________
(١) في قوله: ﴿نَطْمِسَ﴾، وهي قراءة شاذة.
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٦٢، والبغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٣١.
(٣) ذكره البغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٣١، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ١٠١.
(٤) في (ت): أراد.
(٥) أخرجها الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٢١.
(٦) "معاني القرآن" ١/ ٢٧٢.
(٧) هو ابن قتيبة، وانظر: كلامه في "غريب القرآن" له (ص ١٢١)، وقد رجح الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٢٢ أن الطمس حقيقة في الأبصار، فتمحى آثارها، وتحول الوجوه أقفاء، والأقفاء وجوهًا، فيمشون القهقرى.
[ ١٠ / ٣٩١ ]
والجواب أن نقول: جعل بعضهم هذا الوعيد باقيًا منتظرًا، فقال: لابد من طمس في اليهود، ومسخ قبل قيام الساعة، وهذا قول المبرد (١).
وقال بعضهم: كان هذا وعيدًا بشرط، فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه، رفع عن الباقي (٢)، ويقال: لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله ابن سلام رسول الله - ﷺ - قبل أن يأتي أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفائي (٣).
وقال النخعي: قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية على كعب الأحبار، فقال كعب: يا رب آمنت، يا رب، أسلمت؛ مخافة أن يصيبه وعيد هذه الآية (٤).
وقال سعيد بن جبير: الطمس: أن يرتدوا كفارًا، فلا يهتدوا أبدًا (٥).
الحسن، ومجاهد: من قبل أن نعمي قومًا عن الحق، ونردها (٦) عن بصائر الهدى، فنردها على أدبارها في الكفر والضلالة.
_________________
(١) ذكره عنه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٤٥.
(٢) انظر: "جامع البيان" للطبري ٥/ ١٢٤.
(٣) ذكره الواحدي في "تفسيره" ٢/ ٦٢، والبغوي ٢/ ٢٣١.
(٤) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٢٤ مطولًا.
(٥) الأثر لم أجده.
(٦) في (ت): نردهم، وأثر الحسن ومجاهد أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٢٢.
[ ١٠ / ٣٩٢ ]