فتلته بين أصبعيك من وسخ وعرق، فعيل بمعنى مفعول، قال الشاعر:
يجمع الجيش ذا الألوف، ويغزو ثم لا يرزء العدو فتيلا (١)
٥٠ - ﴿انْظُرْ﴾: يا محمَّد ﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾
يختلقون ﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في تغييرهم كتابه، ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾.
٥١ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾.
قرأ السلمي: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ساكنة الراء، في كل القرآن (٢)، وهي لغة قوم لا يكتفون من الجزم بحذف الحرف حتى يسكنوا حركته (٣)، كقول الشاعر (٤):
من يهده الله يهتد، لا مضلَّ له ومن أضلَّ، فما يهديه من هادي
_________________
(١) = عن ابن عباس، ومجاهد، وقول سعيد بن جبير وأبي مالك، والسدي. انظر: المصدرين السابقين. وهو قول الفراء في "معاني القرآن" ١/ ٢٧٣.
(٢) البيت للنابغة الذبياني، وهو في "ديوانه" (ص ١٣٥)، من قصيدة يهجو فيها النعمان. وهي قراءة شاذة.
(٣) انظر: "المحتسب" لابن جني ١/ ١٢٨.
(٤) في (م)، (ت): آخره.
(٥) من هنا سقط من (م) قدر عشر صفحات، وقد رجعت إلى أصل النسخة التي صورت منها الصورة التي عندي، فوجدتها كذلك قد سقط منها هذا القدر. والبيت لم أجد قائله.
[ ١٠ / ٤٠٣ ]
﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ اختلفوا فيهما:
فقال عكرمة: هما صنمان، (كانا للمشركين) (١)، يعبدونهما من دون الله.
أبو عبيدة: هما كل معبود من حجر، أو مدر، أو صورة، أو شيطان (٢).
يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ (٤).
وقال عطية عن ابن عباس: الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام الذين يكونون بين أيديهم، يعبرون عنها الكذب، ليضلوا الناس (٥).
وقيل: الجبت الأوثان، والطاغوت شياطين الأوثان، ولكل صنم شيطان، يعبر عنها، فيغتر بها الناس (٦).
_________________
(١) في الأصل: كانت المشركون، والمثبت من (ت)، ولفظ قول عكرمة: هما صنمان، كما في "تفسير القرآن" لعبد الرزاق ١/ ١٦٥، "جامع البيان" للطبري ٥/ ١٣١، وأما الزيادة فهي من قول الطبري، فجعلها المصنف من قول عكرمة.
(٢) "مجاز القرآن" ١/ ١٢٩.
(٣) النحل: ٣٦.
(٤) الزمر: ١٧.
(٥) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٣١، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٧٥، وليس في قول ابن عباس عبارة: تراجمة الأصنام، إنما هي من قول الطبري، فأدرجها المصنف ضمن قول ابن عباس، ومعنى: تراجمة الأصنام: هم الكهان، تنطق على ألسنة الأصنام.
(٦) ذكره البغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٣٤.
[ ١٠ / ٤٠٤ ]
(عامر) (١) الشعبي، ومجاهد: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان.
زيد بن أسلم: الجبت الساحر (يقال: إنه قلبت سينه) والطاغوت الشيطان (٢)، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ (٣)، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ (٤).
محمَّد بن سيرين، ومكحول: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر (٥)، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس (٦).
سعيد بن جبير، وأبو العالية: الجبت: الساحر، بلسان الحبشة، والطاغوت: الكاهن (٧).
_________________
(١) من (ت) هو الصواب، وفي الأصل، (م): عمرو. وانظر: كلامهما في "جامع البيان" للطبري ٥/ ١٣١.
(٢) انظر: قوله في "جامع البيان" للطبري ٥/ ١٣١، وما بين القوسين ليس من قول زيد، وهو في (ت) هكذا: (يقال: الجبس، قلبت سينه تاء)، وهذه الجملة الاعتراضية هي من قول قطرب، كما في "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ٥/ ٢٤٩. وانظر: "الدر المصون" للسمين الحلبي ٤/ ٥ - ٦.
(٣) البقرة: ٢٥٧.
(٤) النساء: ٧٦.
(٥) أخرج قول ابن سيرين الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٣٢.
(٦) انظر: "الوسيط" للواحدي ٢/ ٦٦، وهي رواية عن سعيد بن جبير، أخرجها الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٣٢ عنه.
(٧) أخرج قوليهما الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٣٢.
[ ١٠ / ٤٠٥ ]
عكرمة: كان أبو بردة (١) كاهنًا في الجاهلية، فتنافر إليه نفر ممن أسلم، فنزلت هذه الآية (٢).
الضحاك: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف (٣).
الكلبي، ومقاتل: الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب ابن الأشرف (٤).
دليله قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ وحكى أبو القاسم بن حبيب عن بعضهم: أن الجبت: إبليس، والطاغوت: [٣٠١] أولياؤه.
[١١٦٨] أخبرنا أبو بكر بن عبدوس (٥)، ثنا أبو الحسن الكارزي (٦)، أخبرنا علي بن عبد العزيز (٧)، أنبا أبو عبيد القاسم بن سلام (٨)، ثنا مروان الفزاري (٩)
_________________
(١) في النسخ: برزة، والمثبت الصواب.
(٢) رواه عكرمة عن ابن عباس، عند ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٩١ وفيه أبو بردة، على الصواب.
(٣) انظر: "بحر العلوم" للسمرقندي ١/ ٣٦٠.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسير القرآن" عن الكلبي ١/ ١٦٤.
(٥) لم يذكر بجرح أو تعديل.
(٦) صحيح السماع، مقبول الرواية.
(٧) أبو الحسن البغوي، ثقة.
(٨) الإمام، المجتهد الثقة، الفاضل.
(٩) مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري، ثقة، حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ.
[ ١٠ / ٤٠٦ ]
وإسحاق الأزرق (١) أو أحدهما، عن عوف (٢). [١١٦٩] وأنبأنا ابن فنجويه (٣)، ثنا هارون بن محمد بن هارون (٤)، ثنا عبد الله بن محمَّد بن سنان (٥)، ثنا عمرو بن منصور القيسي (٦)، ثنا شعبة (٧)، عن عوف الأعرابي (٨) قال: حدثني حيان ابن العلاء (٩)، عن قطن بن قبيصة بن المخارق (١٠)، عن أبيه (١١) قال: قال رسول الله -ﷺ-: "الطرق، والطيرة، والعيافة من الجبت" (١٢).
_________________
(١) إسحاق بن يوسف بن مرداس الأزرق، ثقة.
(٢) أبو سهل البصري، ثقة، رُمي بالقدر والتشيع.
(٣) ثقة، صدوق، كثير الرواية للمناكير.
(٤) لم أجده.
(٥) يضع الحديث، كذاب.
(٦) صدوق.
(٧) ابن الحجاج، ثقة، حافظ، متقن.
(٨) أبو سهل البصري، ثقة، رُمي بالقدر والتشيع.
(٩) مقبول.
(١٠) صدوق.
(١١) قبيصة بن المخارق الهلالي، صحابي، وفد على النبي -ﷺ-، روى له مسلم وغيره.
(١٢) [١١٦٨، ١١٦٩] الحكم على الإسناد: في الطريق الأولى: شيخ المصنف لم يذكر بجرح ولا تعديل، وفي الثانية: هارون لم أجده، وعبد الله بن سنان يضع الحديث، كذاب، إلا أن الحديث كما سيأتي روي من طرق أخرى عن عوف عن حيان به، وحكم شيخ الإِسلام ابن تيمية على إسناده بالحسن كما في "مجموع الفتاوى" ٣٥/ ١٩٢. =
[ ١٠ / ٤٠٧ ]
والجبت: كل ما حرم الله، والطاغوت: كل ما يطغي الإنسان (١).
﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكبًا من اليهود إلى مكة، بعد وقعة أحد، ليحالفوا قريشًا على رسول الله -ﷺ-، وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله -ﷺ-، فنزل كعب على أبي
_________________
(١) = التخريج: أخرجه أبو داود كتاب الطب، باب: الخط وزجر الطير (٣٩٠٧)، والنسائي في "التفسير" ١/ ٣٨٧ (١٢٨)، وأحمد في "المسند" ٥/ ٦٠ (٢٠٦٠٣)، وعبد الرزاق ١٠/ ٤٠٣ (١٩٥٠٢)، وأبو عبيد في "غريب القرآن" ٢/ ٤٤، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ٣١٢، والطبراني في "المعجم الكبير" ١٨/ ٣٦٩ (٩٤١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٨/ ١٣٩، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١٠/ ٤٢٥ من طرق، عن عوف، عن حيان، عن قطن، عن أبيه.
(٢) الصواب من أقوال المفسرين في معنى الجبت والطاغوت، هو ما ذهب إليه شيخهم الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٣٣، حيث قال ﵀: والصواب من القول في تأويل: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أن يقال: يصدقون بمعبودية من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونها إلهين، وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله، أو طاعة، أو خضوع، كائنًا ما كان ذلك المعظم، من حجر، أو إنسان، أو شيطان. وإليه مال ابن عطية في "المحرر الوجيز" ٢/ ٦٦، وذكر عن مالك ﵀ أنه قال: الطاغوت: كل ما عبد من دون الله. واستحسنه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٤٩. وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ١٦/ ٥٦٥ - ٥٦٦ في معنى الطاغوت: وهو اسم جنس، يدخل فيه الشيطان، والوثن، والكهان، والدرهم، والدينار، وغير ذلك.
[ ١٠ / ٤٠٨ ]
سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن من أن يكون هذا مكرًا منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين، وآمن بهما. ففعل، فذلك قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون، فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب هذا البيت لنجهدن على قتال محمد. ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ القرآن (١)، وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقًا، وأقرب إلى الحق، نحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا على دينكم. فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء (٢)، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفك المعاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم، ودين محمَّد الحديث. فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلًا مما عليه محمد. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٣)، يعني: كعبًا وأصحابه، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ
_________________
(١) في (م)، (ت): الكتاب.
(٢) أي الناقة العظيمة السنام، العاليته. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ١٢/ ٥٢٩ (كوم).
(٣) أخرج ذلك عبد الرزاق في "تفسير القرآن" ١/ ١٦٤، والطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٣٤، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٧٦، من رواية عكرمة، والسدي وأبي مالك. والمصنف خلط بين رواياتهم، بدون تمييز. =
[ ١٠ / ٤٠٩ ]